وذكر أبو إسحاق أيضًا هذا الوجه فقال: ويكون {كِتَابُ مُوسَى} عطفًا على قوله {شَاهِدٌ مِنْهُ} أي: وكان يتلوه {كِتَابُ مُوسَى} ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشر به موسى وعيسى في التوراة والإنجيل. قال: ويجوز أن يكون المعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلًا على أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ونصب {إِمَامًا} على الحال لأن كتاب موسى معرفة.
وقوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} وما اتصل به إلى قوله: {إِمَامًا وَرَحْمَةً} يقتضي جوابًا بحرف التشبيه وضد معناه، كما قال في موضع آخر: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا} [السجدة: 18] وهاهنا ترك الجواب.
قال أبو إسحاق: والتقدير أفمن هذه حاله كان هو وغيره ممن ليس على بينة سواء، فترك ذكر المضاد له؛ لأن فيما بعده دليلًا عليه وهو قوله: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ} [هود: 24] الآية، ونحو هذا قال الفراء فقال: ربما تركت العرب جواب الشيء المعروف معناه، كما قال الشاعر:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعًا
ومثل هذا من التنزيل قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} [الزمر: 9] الآية. ولم يؤت له بجواب، اكتفاء بما بعده من قوله: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ؛ فالقانتون آناء الليل والنهار الذين يعلمون،
وأضدادهم الذين لا يعملون، فاكتفى من الجواب بما تأخر من القول إذ كان فيه دليل عليه.