(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) أَيْ مَنْ كَانَ كُلُّ حَظِّهِ مِنْ وُجُودِهِ التَّمَتُّعَ بِلَذَّاتِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْأُولَى ، الَّتِي هِيَ أَدْنَى الْحَيَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ خُلِقَ لَهُمَا وَهِيَ: الطَّعَامُ ، وَالشَّرَابُ ، وَالْوِقَاعُ ، وَزِينَتُهَا مِنَ اللِّبَاسِ ، وَالْأَثَاثِ ، وَالرِّيَاشِ ، وَالْأَوْلَادِ ، وَالْأَمْوَالِ ، لَا يُرِيدُ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْدَادًا لِلْحَيَاةِ الْآخِرَةِ وَلِقَاءِ اللهِ - تَعَالَى - بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِبَاعِثِ الْإِيمَانِ (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) أَيْ نُؤَدِّ إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا ، وَافِيَةً تَامَّةً بِحَسَبِ سُنَّتِنَا فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ وَنِظَامِ الْأَقْدَارِ ، وَقَدْ فَصَّلْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّفْسِيرِ مِرَارًا (وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) وَهُمْ لَا يُنْقَصُونَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ نَتَائِجِ كَسْبِهِمْ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ ، فَإِنَّ مَدَارَ الْأَرْزَاقِ فِيهَا عَلَى الْأَعْمَالِ السَّبَبِيَّةِ ، لَا عَلَى النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ الدِّينِيَّةِ ، وَلَكِنْ لِهِدَايَةِ الدِّينِ تَأْثِيرًا فِيهَا مِنْ نَاحِيَةِ: الْأَمَانَةِ ، وَالِاسْتِقَامَةِ ، وَالصِّدْقِ ، وَالنُّصْحِ ، وَاجْتِنَابِ الْخِيَانَةِ وَالزُّورِ وَالْغِشِّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَلِأَهْلِهَا الْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ فِيهَا ، وَكَرَّرَ لَفْظَ (فِيهَا) لِلتَّأْكِيدِ وَالْإِعْلَامِ بِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ كَالدُّنْيَا فِي وَفَاءِ كَيْلِ الْجَزَاءِ وَفِي بَخْسِهِ ، فَإِنَّهُ فِيهَا مَنُوطٌ بِأَمْرَيْنِ: كَسْبِ الْإِنْسَانِ ، وَنِظَامِ الْأَقْدَارِ ، وَقَدْ