وَسَبَبُ غَفْلَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ ، أَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوهَا مِنَ التَّأَمُّلِ فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهَا مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ الْمُكَرَّرِ فِي سُوَرِهِ ; لِأَنَّهُمُ اعْتَادُوا أَنْ يَطْلُبُوا مَعَانِيَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَلَى قِلَّتِهَا وَقِلَّةِ مَا يَصِحُّ مِنْهَا ، وَمِنْ مَدْلُولِ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا وَحْدَهَا فِي مُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ وَجُمَلِهَا ، بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الْفَنِّيَّةِ أَوِ الْفِقْهِيَّةِ وَأُصُولِهَا ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ أَقْوَى شُبْهَةٍ لِلْمُعْتَرِضِينَ عَلَى دَعْوَى الْإِعْجَازِ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ ، أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ الَّذِي يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدْ يَسْبِقُ بَعْضُ الْفُصَحَاءِ إِلَى أَعْلَى عِبَارَةٍ لَهُ وَأَبْلَغِهَا ، بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ مَا عَدَاهَا دُونَهَا ، وَأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّابِقَ لَهَا قَدْ تَلَقَّاهَا بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - . فَإِنَّ مِثْلَهُ يُوجَدُ فِي كُلِّ اللُّغَاتِ ، وَذَكَرْتُ مَثَلًا لَهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا ، وَأَجَبْتُ عَنْهَا بِأَنَّ الْقُرْآنَ يُعَبِّرُ عَنِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِالْعِبَارَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي تُعَدُّ كُلٌّ مِنْهَا فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَيَعْجِزُ عَنْهَا جَمِيعُ الْبُلَغَاءِ ثُمَّ بَيَّنْتُ فِي مَبَاحِثِ الْوَحْيِ مِنْ تَفْسِيرِ يُونُسَ أَنَّ الْقَامُوسَ الْأَعْظَمَ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ اللَّفْظِيِّ هُوَ تَكْرَارُ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ بِالْعَشَرَاتِ وَالْمِئَاتِ مِنَ الْعِبَارَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي النَّظْمِ وَالْأُسْلُوبِ وَبَلَاغَةِ الْعِبَارَةِ وَقُوَّةِ تَأْثِيرِهَا فِي قُلُوبِ الْقَارِئِينَ