وقوله تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ} ، قال ابن الأنباري: هذا خطاب لأهل الكفر بإضمار قول قبله، يراد به: فقولوا لهم: اعلموا أنما أنزل بعلم الله، أي أنزل والله عز وجل عالم بإنزاله، وعالم أنه حق من عنده، ويجوز أن يكون معنى (بعلم الله) أي بما أنبأ الله به من غيب ودلَّ على ما سيكون وما سلف مما لم يقرأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاباً، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق.
وقال أبو بكر: اعلموا أنما أنزل بعلم الله الذي لكم فيه النفع والشفاء والرشد من أمره ونهيه ووعده ووعيده، وغير ذلك من تعليمه وتشديده، هذا الذي ذكرنا من أن قوله: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، مذهب المفسرين وأصحاب المعاني وقال بعضهم: الخطاب فيه للمشركين؛ أي فإن لم يستجيبوا لكم من تدعونهم إلى المعاونة ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليه الحجة {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} .
وقوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} استفهام معناه الأمر، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله في تحريم الخمر: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، والآية بيان عما يوجبه ترك المعارضة - مع التحدي بها، وتوفر الدواعي إليها - من ظهور المعجز المؤدي إلى العلم بصحة الأمر فيه.
15 -قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ، المعنى: من يريد الحياة الدنيا، و (كان) في تقدير الزيادة، ولذلك جزم جوابه، وهو قوله: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} ، هذا معنى قول الفراء؛ لأن المعنى فيما بعد {كَانَ} ؛ فكأن {كَانَ} تبطل في المعنى، وحكى الزجاج عن المبرد أن معنى {كَانَ} و (تكون) العبارة عن الأحوال فيما مضى وفيما يستقبل، و {كَانَ} تستعمل فيهما جميعًا، فعلى هذا معنى {كَانَ} في الشرط والاستقبال؛ لأن الشرط لا يقع بالماضي، والمعنى: من يكن يريد الحياة الدنيا كقول زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه