فإنّ جمله معطوف بعضها على بعض بواو النّسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة: من الابتداء بالأهم الذي هو انحسار الماء عن الأرض، المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة من الإطلاق من سجنها، ثم انقطاع مادّة السماء المتوقّف عليه تمام ذلك من دفع أذاه بعد الخروج، ومنه اختلاف ما كان بالأرض، ثم الإخبار بذهاب الماء بعد انقطاع المادّتين الذي هو متأخر عنه قطعا، ثم بقضاء الأمرح الذي هو هلاك من قدّر هلاكه، ونجاة من سبق نجاته، وأخّر عمّا قبله لأنّ علم ذلك لأهل السفينة بعد خروجهم منها، وخروجهم موقوف على ما تقدّم، ثم أخبر باستواء السفينة واستقرارها المفيد ذهاب الخوف وحصول الأمن من الاضطراب، ثم ختم بالدعاء على الظالمين، لإفادة أنّ الغرق وإن عمّ الأرض فلم يشمل إلّا من استحقّ العذاب لظلمه.
(فائدة أخرى)
الإبداع: بالباء الموحدة: أن يشتمل الكلام على عدّة ضروب من البديع.
قال ابن أبي الإصبع: ولم أر في الكلام مثل قوله تعالى: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي}
فإنّ فيها عشرين ضربا من البديع، وهي سبع عشرة لفظة وذلك:
المناسبة التامة في: {ابْلَعِي} و {أَقْلِعِي} والاستعارة فيهما.
والطباق بين الأرض والسماء.
والمجاز في قوله تعالى: {وَيَا سَمَاءُ} فإنّ الحقيقة: يا مطر السماء.
والإشارة في: {وَغِيضَ الْمَاءُ} ، فإنّه عبّر به عن معان كثيرة لأنّ الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منهما من عيون الماء، فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء.
والإرداف في {وَاسْتَوَتْ} .
والتمثيل في: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} .
والتعليل، فإنّ (غيض الماء) علّة الاستواء.
والتمثيل في: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} .
والتعليل، فإنّ (غيض الماء) علّة الاستواء.
وصحة التقسيم، فإنّه استوعب فيه أقسام الماء حالة نقصه، إذ ليس إلّا احتباس ماء السماء، والماء النابع من الأرض، وغيض الماء الذي على ظهرها.