قلت: قد ذكر بعضهم أن نوحا عليه الصلاة والسلام لم يعلم بكون ابنه كان كافرا فلذلك ناداه وعلى تقدير أنه يعلم كفره إنما حمله على أن ناداه رقة لأبوه ولعله إذا رأى تلك الأهوال أن يسلم فينجيه الله بذلك من الغرق فأجابه الله عز وجل بقوله (إنه ليس من أهلك) يعني أنه ليس من أهل دينك لأن أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما.
ولما حكمت الشريعة برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر قال الله سبحانه وتعالى لنوح: (إنه ليس من أهلك إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) .
«فإنْ قلتَ» : إن قصة نوح كانت مشهورة معروفة في العالم فكيف قال (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا) ؟
قلت: يحتمل أن يكون كانوا يعلمونها مجملة فنزل القرآن بتفصيلها وبيانها.
وجواب آخر وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان أميّا لم يقرأ الكتب المتقدمة ولم يعلمها وكذلك كانت أمته فصح قوله (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) من قبل نزول القرآن بها.
(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)
الناصية: مقدم الرأس وسمي الشعر الذي عليه ناصية للمجاورة قيل: إنما خصّ الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم فإذا وصفوا إنسانا بالذلة مع غيره يقولون ناصية فلان بيد فلان وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ليمنوا عليه ويعتدوا بذلك فخرا عليه فخاطبهم الله سبحانه وتعالى بما يعرفون من كلامهم.
(أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي كفروا بربهم أَلا بُعْداً لِعادٍ)
يعني هلاكا لهم، وقيل بعدا عن الرحمة.
«فإنْ قلتَ» : اللعنة معناها الإبعاد والهلاك فما الفائدة في قوله (ألا بعدا لعاد) لأن الثاني هو الأول بعينه؟
قلت: الفائدة فيه أن التكرار بعبارتين مختلفتين يدل على نهاية التأكيد وأنهم كانوا مستحقين له قَوْمِ هُودٍ عطف بيان لعاد.