والمقصود من هذه التلاوة، دعوة مشركي مكة وأمثالهم، إلى التدبر فيما جرى للظالمين من قبلهم، لعلهم بسبب هذا التدبر والتأمل يثوبون إلى رشدهم ويتبعون الدين الحق الذي جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ..
بيان لما قاله لهم بعد أن مكث فيهم زمنا طويلا،، وسمع منهم ما سمع من استهزاء بدعوته،، وتطاول على أتباعه.
أي: قال نوح لقومه بعد أن دعاهم ليلا ونهارا: يا قوم إن كان كَبُرَ عَلَيْكُمْ.
أي: شق وعظم عليكم مَقامِي فيكم ووجودى بين أظهركم عمرا طويلا وَتَذْكِيرِي إياكم بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته،، والتي تستلزم منكم إخلاص العبادة له والشكر لنعمه.
إن كان كبر عليكم ذلك فعلى الله وحده توكلت، وإليه وحده فوضت أمرى ولن يصرفني عن الاستمرار في تبليغ ما أمرنى بتبليغه وعد أو وعيد منكم.
وخاطبهم - عليه السلام - بقوله: يا قَوْمِ استمالة لقلوبهم وإشعارا لهم بأنهم أهله وأقرباؤه الذين يحب لهم الخير، ويكره لهم الشر.
وجملة فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جواب الشرط. وقيل جواب الشرط محذوف والتقدير: إن كان كبر عليكم ذلك فافعلوا ما شئتم فإنى على الله وحده توكلت في تبليغ دعوته لكم.
وقوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ معطوف على ما قبله.
والفعل فَأَجْمِعُوا بقطع الهمزة مأخوذ من أجمعت على الأمر إذا عزمت عليه عزما مؤكدا ووطنت نفسك على المضي فيه بدون تردد أو تقاعس.
والمراد بالأمر هنا: المكر والكيد والعداوة وما يشبه ذلك.
والمراد بشركائهم: أصنامهم التي عبدوها من دون الله وظنوا فيها النفع والضرر والتمسوا فيها العون والنصرة.
والمعنى: أن نوحا - عليه السلام - قد قال لقومه بصراحة ووضوح: يا قوم إن كان قد شق عليكم مقامي فيكم، وتذكيري بآيات الله الدالة على وحدانيته فاجمعوا ما تريدون جمعه من مكر وكيد بي، ثم ادعوا شركاءكم ليساعدوكم في ذلك فإنى ماض في طريقي الذي أمرنى الله به، بدون مبالاة بمكركم وبدون اهتمام بكيدكم.