والمعنى: أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا زمن أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم؛ لأنهم كانوا غير مؤمنين بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولًا وهذا مبني على أن الضمير في قوله: {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} وفي قوله: {بِمَا كَذَّبُوا} راجع إلى القوم المذكورين في قوله: {إِلَى قَوْمِهِمْ} وقيل: ضمير {كَذَّبُوا} راجع إلى قوم نوح؛ أي: فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام، الذين جاؤوا من بعدهم وجاءتهم رسلهم بالبينات. وقيل: إن الباء في {بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} للسببية؛ أي: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بسبب ما اعتادوه من تكذيب من قبل مجيئهم وفيه نظر. وقيل المعنى: بما كذبوا به من قبل؛ أي: في عالم الذر، فإن فيهم من كذب بقلبه وإن آمنوا ظاهرًا.
قال النحاس: ومن أحسن ما قيل: إنه لقوم بأعيانهم، انتهت. {كَذَلِكَ} ؛ أي: مثل ذلك الطبع العظيم الذي طبعناه على قوم نوح، ومن بعدهم من الأمم {نَطْبَعُ} ونختم {عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} ؛ أي: على قلوب المتجاوزين الحد في الكفر والتكذيب والعناد، المتجافين عن قبول الحق وسلوك طريق الرشاد، وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنهم، لأنهماكهم في الغي والضلال، أمثالهم في كل قوم كقومك إذ كانوا مثلهم في اللجاج والعتو والاستكبار في الأرض {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} وقرأ الجمهور: {نَطْبَعُ} بالنون، والعباس بن الفضل، بالياء والكاف للتشبيه؛ أي: مثل ذلك الطبع المحكم الذي يمتنع زواله، نطبع على قلوب المعتدين المجاوزين طورهم والمبالغين في الكفر والتكذيب والعناد والعتو.