ونحن نعلم أنه سبحانه يأتي بالمحسَّات ليبيِّن المعنويات ؛ لأن إلْفَ الإنسان أولاً بالمحسَّات ، وهي أقرب إلى تقريب المراد ، فحين يضرب الحق سبحانه لنا المثل بالكفر والإيمان ، يصف الكفر بالظلمة ، والإيمان بالنور ، إنما يريد الحق أن يجعل لك المراد واضحاً موصولاً بمفهومك .
وإذا كنا نتجنَّب معاطب الظلمات الحسية ، أليس الأجدر بها أيضاً أن نتجنب معاطب الظلمات المعنوية ، إن الظلمة الحسية تستر الأشياء فلا نرى الأشياء ، وقد نرتطم بأضعف شيء ٍ فنحطِّمه أو نصطدم بأقوى شيء فيحطمنا .
إذن: فَحَجْب المرائي يسبِّب الكوارث ، أما حين يأتي النور ؛ فهو يبيِّن ملامح الأشياء فتسير على هُدىً وأنت مطمئن .
وهَبْ أنك في مكان مظلم ويوجد شيء آخر في مكان منير ، فأنت في الظلمة ترى مَنْ يوجد في النور ، وهذه مسألة لم يفطن لتفسيرها علماء ما قبل الإسلام ، حيث كانوا يظنون أن الرؤية إنما تحدث من انتقال شعاع من عين الرائي إلى المرئيِّ ، حتى جاء"الحسن بن الهيثم"العالم الإسلامي واكتشف قوانين الضوء ، وكشف خطأ ما سبقه من نظريات ، وحدَّد أن المرئي هو الذي يصدر منه شعاع إلى الرائي ، وإذا ما كان المرئي في ظُلمةٍ فلن يراه أحد ، ولو كان هناك شعاع يخرج من الرائي ؛ لرأى الإنسان في الظلام .
إذن: أول ولاية من الله للمؤمنين أنه سبحانه يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والظلمة المعنوية أقوى من الظلمة الحسية ، وكذلك النور المعنوي أقوى من النور الحسّي ، فعالَمُ القيم قد يكون أقوى من عالم الحس ؛ لأن الجبر في عالم الحسّ يمكن أن يحدث ، أما في عالم القيم فهو أمر شاق ؛ ولذلك قال الشاعر:
جراحاتُ السنانِ لها التئامُ ... ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ
ويقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
{ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] .