إذن: ففي الكون غيب قد يصير مَشْهَداً ، إما بمقدِّمات يتابعها خَلْقُ الله بالبحث ، وإما أن تأتي صدفة في أثناء أي بحث عن شيء آخر .
ومثال ذلك: عصر البخار الذي بدأ من رجل رأى إناء مُغَطّى يغلي فيه الماء ، فضل غطاء الإناء يرتفع ليُخرج بعضاً من البخار ، وانتبه الرجل إلى أن البخار يمكن أن يتحول إلى طاقة تجرّ العربات التي تسير على عَجَل ، وهكذا جاء عصر البخار .
إذن: فميلاد بعض من أسرار الكون كان تنبيهاً من الله تعالى لأحد عباده لكي يتأمل ؛ ليكتشف سِرّاً من تلك الأسرار .
وأغلب أسرار الكون تم اكتشافها صدفة ، لنفهم أن عطاء الله بميلادها دون مقدمات من الخَلْق أكثر مما وُصِل إليه بالعطاء من مقدمات الخلق .
ولذلك تجد التعبير الأدائي في القرآن عن لونَي الغيب ، تعبيراً دقيقاً لنفهم أن هناك غيباً عن الخلق جميعاً وليست له مقدمات ، ولا يشاء الله سبحانه له ميلاداً ، واستأثر الله بعلمه ؛ فلا يعلمه إلا هو سبحانه .
يقول الحق سبحانه:
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] .
هذا هو الغيب الذي يكشفه الله سبحانه لهم ، إما بالمقدمات ، أو بالصدفة ، وقد نسب المشيئة له سبحانه ، والإحاطة من البشر ، وهذا هو غيب الابتكارات .
أما الغيب الآخر الذي لا يعلمه أحد إلا هو سبحانه ولا يُجَليِّه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقول الحق عنه:
{عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 2627] .
إذن: فالحق سبحانه يفيض من غيبه الذاتي على بعض خَلْقه ، والقرآن الكريم فيه الكثير من الغيب ، وأفاضة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتحققت الأحداث كما جاءت في القرآن .