فيكون الكلام قد ابتدئ بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم التي منها ما هو من خواصّه كقيام الليل ، وثُنِّي بما هو من شؤونه بالنسبة إلى الناس وهو تلاوة القرآن على الناس ، وثُلِّث بما هو من شؤون الأمة في قوله: {ولا تعمَلون من عمل} فإنه وإن كان الخطاب فيه شاملاً للنبيء صلى الله عليه وسلم إلا أن تقديم ذكر شأن في أول الآية يخصص عموم الخطاب في قوله: {تَعملون} فلا يبقى مراداً منه إلا ما يعمله بقية المسلمين.
ووقع النفي مرتين بحرف (ما) ومرة أخرى بحرف (لا) لأن حرف (ما) أصله أن يخلص المضارع للحال ، فقصد أولاً استحضار الحال العظيم من شأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن قراءته القرآن ، ولما نفي عمل الأمة جيء بالحرف الذي الأصل فيه تخليصه المضارع للاستقبال للتثنية من أول الكلام على استمرار ذلك في الأزمنة كلها.
ويعلم من قرينة العموم في الأفعال الثلاثة بواسطة النكرات الثلاث المتعلقة بتلك الأفعال والواقعة في سياق النفي أن ما يحصل في الحال وما يحصل في المستقبل من تلك الأفعال سواءٌ ، وهذا من بديع الإيجاز والإعجاز.
وكذلك الجمع بين صيغ المضارع في الأفعال المعممة {تكونُ وتتلو وتعملون} وبين صيغة الماضي في الفعل الواقع في موضع الحال منها {إلاَّ كنا} للتنبيه على أن ما حصل ويحصل وسيحصل سواء في علم الله تعالى على طريقة الاحتباس كأنه قيل: وما كنتم وتكون وهكذا ، إلاَّ كنا ونكون عليكم شهودا.
و {من عمل} مفعول {تعملون} فهو مصدر بمعنى المفعول وأدخلت عليه (من) للتنصيص على التعميم ليشمل العمل الجليل والحقير والخير والشر.
والاستثناء في قوله: {إلاَّ كنا عليكم شهوداً} استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الشأن وعموم التلاوة وعموم العَمل ، أي إلا في حالة علمْنا بذلك ، فجملة {كنا عليكم} في موضع الحال.
ووجود حرف الاستثناء أغنى عن اتصال جملة الحال بحرف (قد) لأن الربط ظاهر بالاستثناء.