ومعنى كلمة"الحكيم"يتضح لنا من سياقها: فإن نسبت الأمر إلى الحكم فهو كتاب صادر من الحق سبحانه ، وإن أردت الوصف بمعنى فاعل فهو من حاكم ؛ والحاكم هو الذي يحكم في قضايا ؛ ليبين وجه الحق فيها ، والقرآن يحكم في كل قضايا الإيمان .
وقمة العقيدة التي يحكم فيها القرآن هي لا إله إلا الله . ومن يفعل عكس ذلك هو الظالم ، وسبحانه القائل: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]
والقرآن يحسم هذه القضايا ، وهو كحاكم فاصل فيها .
فإن قلت:"محكم"تكون قد نسبته لله ، وإن قلت:"حاكم"فهو الفاعل وهو يحكم في قمة العقيدة"لا إله إلا الله"، وهي شهادة ذات لذات ، وشهادة مشهد من الملائكة ، وشهادة أدلة من الخلق: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم ...} [آل عمران: 18]
وساعة يفصل القرآن في هذه القضية ، فهو يحكم حكماً عدلاً يبين وجه الحق في قمة العقائد . وهو حاكم في الأفعال ؛ فيبين الحلال من الحرام ويضع حدّاً فاصلاً في الأحكام بين الحلال والحرام . وحاكم في الأخلاق .
إذن:"حاكم"تعني ما بين وجه الحق فيما تتعارض فيه الآراء والأفكار والمعسكرات المتضاربة .
و"حكيم": إما أن تكون بمعنى"فاعل"وإما أن تكون بمعنى (مفعول) ووقعت الحكمة من قائله عليه ، فصار"محكماً"، وإن كانت كلمة الحكيم بمعنى فاعل تكون بمعنى"حاكم"وكلمة حاكم تدل على أن هناك فريقين: فريق يقول قضية ، وفريق آخر يناقضه ، فيأتي الحاكم ؛ ليفصل بين الأمرين ، وليعدل وينصف .