وحكي أن بعض العُبّاد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر ؛ فقيل له في ذلك فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى: {إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل} [غافر: 71] وذكرت كيف أتلقى الغُلّ وبقيت ليلي في ذلك أجمع.
قلت: لفظ"س ي ح"يدل على صحة هذه الأقوال ؛ فإن السياحة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء ؛ فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه من الطعام وغيره ، فهو بمنزلة السائح.
والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا.
وفي الحديث:"إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي"ويروى"صياحين"بالصاد ، من الصياح.
{الراكعون الساجدون} يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها.
{الآمرون بالمعروف} أي بالسنة ، وقيل: بالإيمان.
{والناهون عَنِ المنكر} قيل: عن البِدعة.
وقيل: عن الكفر وقيل: هو عموم في كل معروف ومنكر.
{والحافظون لِحُدُودِ الله} أي القائمون بما أمر به والمنتهون عما نهى عنه.
الثانية واختلف أهل التأويل في هذه الآية ، هل هي متصلة بما قبلُ أو منفصلة ؛ فقال جماعة: الآية الأُولى مستقلة بنفسها ؛ يقع تحت تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ، وإن لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية الثانية أو بأكثرها.
وقالت فرقة: هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط ، والآيتان مرتبطتان ؛ فلا يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله ؛ قاله الضحاك.
قال ابن عطية: وهذا القول تحريج وتضييق ، ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكَمَلة من المؤمنين ، ذكرها الله ليستبِق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى مرتبة.