وفى قوله تعالى: « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ » شاهد قائم ، رآه المسلمون رأى العين .. وهو أن اللّه قد نصر النبيّ الكريم ، وخلّصه من يد المشركين الذين كانوا له بمرصد ، على كل ثنيّة ، وعلى كل طريق ... ولم يكن مع النبيّ الكريم قوّة ظاهرة ، لم يكن إلا هو وصاحبه أبو بكر .. وكانا أعزلين من كل سلاح ، إلا سلاح الإيمان الذي يملأ قلبيهما ، مجرّدين من كل قوة ، إلا قوة الحقّ الذي فِي يديهما ، محرومين من كل نصير ، إلا عون اللّه لهما ، وحراسته القائمة عليهما.
ثانيا: لم يذكر النبيّ الكريم ذكرا صريحا ، وإنما جاءت الإشارة إليه مضمرة فِي ضمير الغائب .. هكذا « إِلَّا تَنْصُرُوهُ » ..
وفى هذا إشارة مضيئة تشير إلى النبي الكريم ، وتحيطه بهالة من نور ربانيّ ، بحيث تشخص الأبصار كلّها إلى هذا النور العلويّ الذي يفاض على النبيّ ، ويحفّ به .. فليس هناك من تخلّى عنه الأنصار والأعوان - فِي هذا الموقف بالذات - غير النبيّ ، وليس هناك أيضا من أحاطت به العناية الربانية ، وحفّت به أمداد العون والنصر الإلهي - فِي هذا الموطن بالذات أيضا - غير النبيّ .. فكانت الإشارة إليه - فِي هذا الموقف بالذات - مغنية عن كل ذكر ، وكانت الإماءة إليه أبلغ من كل تصريح ..
ثالثا: لم يذكر اسم الصاحب الذي صحب النبيّ فِي هذه الحال ، بل جاء على النسق الذي جاء عليه ذكر النبيّ .. « إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا » ..
وفى هذا تشريف لمقام أبي بكر - رضوان اللّه عليه - وتمجيد لتلك الصحبة المباركة ، التي جعلت منه صاحب نبيّ ، ورفيق رسول ، يأخذ بنصيب طيّب من رعاية اللّه لنبيّه ، ويستظل بما استظل به النبيّ من نصر اللّه وتأييده.