{إِذْ يَقُولُ} بدلٌ ثانٍ أو ظرفٌ لثانيَ {لِصَاحِبِهِ} أي الصدّيق {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا} بالعون والعصمةِ والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ التي لا تحوم حول صاحبِها شائبةُ شيء ٍ من الحزن، وما هو المشهورُ من اختصاص مَعَ بالمتبوع فالمرادُ بما فيه من المتبوعية في الأمر المباشر، (روي أن المشركين لما طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنْ نُصَبْ اليومَ ذهب دينُ الله فقال عليه الصلاة والسلام:"ما ظنُّك باثنين الله ثالثُهما؟"وقيل:(لما دخلا الغارَ بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوتَ فنسَجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم أعمِ أبصارَهم"فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطَنون قد أخذ الله تعالى أبصارهم عنه) ، وفيه من الدِلالة على علو طبقةِ الصّدّيق رضي الله عنه وسابقةِ صُحبتِه ما لا يخفى، ولذلك قالوا: من أنكر صُحبةَ أبي بكر رضي الله عنه فقد كفر لإنكاره كلامَ الله سبحانه وتعالى {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ} أمَنتَه التي تسكُن عندها القلوب {عَلَيْهِ} على النبي صلى الله عليه وسلم فالمرادُ بها ما لا يحوم حوله شائبةُ الخوفِ أصلاً أو على صاحبه إذ هو المنزعِج، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان على طُمَأْنينة من أمره {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} عطفٌ على نصره الله والجنودُ هم الملائكةُ النازلون يوم بدرٍ والأحزابِ وحُنينٍ، وقيل: هم الملائكةُ أنزلهم الله ليحرِسوه في الغار ويأباه وصفُهم بعدم رؤيةِ المخاطَبين لهم وقوله عز وعلا: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى} يعني الشركَ أو دعوةَ الكفرِ فإن ذلك الجعلَ لا يتحقق بمجرد الأنجاءِ بالقتل والأسر ونحو ذلك {وَكَلِمَةُ الله} أي التوحيدُ أو دعوةُ الإسلام {هِىَ العليا} لا يدانيها شيء ٌ، وتغييرُ الأسلوب للدِلالة على
أنها في نفسها كذلك لا يتبدل شأنُها ولا يتغيرُ حالُها دون غيرِها من الكلم ولذلك وُسِّط ضميرُ الفصلِ، وقرئ بالنصب عطفاً على كلمة الذين {والله عَزِيزٌ} لا يغالب {حَكِيمٌ} في حكمه وتدبيره. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 4 صـ}