الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْفِرَارِ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ ، وَتَرْكِ الصَّبْرِ عَلَى مَا يَنْزِلُ مِنْ بَلَاءِ اللَّهِ ، وَعَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ الْمُؤَدِّي إلَى الْآلَامِ وَالْهُمُومِ ، وَأَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى الْعَدُوِّ ، تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ لَعَصَمَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ ، وَلَكِنَّهَا سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيرَةُ الْأُمَمِ ، حَكَمَ اللَّهُ بِهَا لِتَكُونَ قُدْرَةً لِلْخَلْقِ ، وَأُنْمُوذَجًا فِي الرِّفْقِ ، وَعَمَلًا بِالْأَسْبَابِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَتْ الْإِمَامِيَّةُ قَبَّحَهَا اللَّهُ: حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ مَعَ كَوْنِهِ مَعَ النَّبِيِّ دَلِيلٌ عَلَى جَهْلِهِ وَنَقْصِهِ وَضَعْفِ قَلْبِهِ وَحَيْرَتِهِ.
أَجَابَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَحْزَنْ ، لَيْسَ بِمُوجِبٍ بِظَاهِرِهِ وُجُودَ الْحُزْنِ ، إنَّمَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ ؛ فَإِنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا.
فَقَالَ لَهُ: {لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ؛ لِتَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الصِّدِّيقَ لَا يَنْقُصُهُ إضَافَةُ الْحُزْنِ إلَيْهِ ، كَمَا لَمْ تَنْقُصْ إبْرَاهِيمَ حِينَ قِيلَ عَنْهُ: {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} .
وَلَمْ يَنْقُصْ مُوسَى قَوْلُهُ عَنْهُ: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} .