والجواب عن الأول: أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة ، قال: فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى} [طه: 68] أن يدل على أنه كان عاصياً في خوفه ، وذلك طعن في الأنبياء ، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم ، حيث قالت الملائكة له: {لاَ تَخَفْ} [هود: 69] في قصة العجل المشوي مثل ذلك ، وفي قولهم للوط: {لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] مثل ذلك.
فإذا قالوا: إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: {لاَ تَخَفْ} ليفيد الأمن ، وفراغ القلب.
قلنا لهم في هذه المسألة كذلك.
فإن قالوا: أليس إنه تعالى قال: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} [المائدة: 67] فكيف خاف مع سماع هذه الآية ؟ فنقول: هذه الآية إنما نزلت في المدينة ، وهذه الواقعة سابقة على نزولها ، وأيضاً فهب أنه كان آمناً على عدم القتل ، ولكنه ما كان آمناً من الضرب ، والجرح والإيلام الشديد والعجب منهم ، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفاً ، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء ، ولما خاف وبكى قالوا: هذا السؤال الركيك ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق ، وإنما مقصودهم محض الطعن!
والجواب عن الثاني: أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية ، فإن أبا بكر لو كان قاصداً له ، لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار ، وقال لهم نحن ههنا ، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه ، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك.