وأنت حين ترى قطعة الحديد وهي تتحول إلى السيولة بالانصهار في النار ، تجد شرراً يتطاير منها ، ويطفو فوق سطح الحديد المصهور ، وهو ما يسمى ب"خبث الحديد"وتتم إزالة هذا الخبث ليبقى الحديد صافياً لتصنع منه السيوف أو الخناجر وغيرها ، وهذه الحالة تحدث في الذهب حين يصهره الصائغ ليزيل عنه أية شوائب ويعيد تشكيله ليكون حلياً .
وزبد الماء وزبد الحديد وزبد الذهب يتجمع على الجوانب ويبقى الماء صافياً ، وكذلك الحديد والذهب ، ولهذا يقول الحق: {كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل} [الرعد: 17] .
أي أن الحق يبقى صافياً ثابتاً ، أما الباطل فيعلو ليتجمع على الجوانب ليذهب بغير فائدة .
ويوضح الحق علو كلمته سبحانه وتعالى في آية أخرى فيقول: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا} [التوبة: 40] .
ونلحظ أن الحق تبارك وتعالى جاء بالجعل لكلمة الكافرين ، أما كلمته سبحانه وتعالى فلها العلو الثابت .
والحق هنا يبين أن المؤمنين الذين يتصفون بهذه الصفات الخمس هم مؤمنون حق الإيمان فيقول عز وجل: {أولائك هُمُ المؤمنون حَقّاً} .
ومعنى هذا أن هناك مؤمنين ليسوا على درجة عالية من الإيمان ، أي أن هناك منازل ودرجات للإيمان متفاوتة ، ولكل قدر من الصفات منزلة وعطاء مناسب .
ونحن نرى البشر حينما يخصهم واحد بوده يفيضون عليه من خيراتهم ، فنجد غير العالم يأخذ ممن يودهم من العلماء بعض العلم ، والضعيف الذي يعطي وده لقوي ، يعينه القوي ببعضٍ من قوته ، والفقير الذي يعطي وده لغني ، يعطيه الغني بعضاً من المال ، والأرعن يأخذ ممن يودهم من العقلاء قدراً من التعقل للأمور .