وهذه كلها أمور غيبية ، ولا يقال في الأمر المحسّ إيمان ، فلا يقول واحد: أنا مؤمن أنى أتحرك على الأرض ؛ لأن هذا أمر حسيّ . والإيمان لا يكون إلاّ بالأمور الغيبية وأولها أن تؤمن بإله واحد لا تدركه الأبصار وهو غيب ، وبملائكته وهي غيب ، وصدقنا وجودها لأنه أبلغنا بذلك الوجود . وكذلك أن نؤمن بالكتب المنزلة على الرسل . وبالرسل ، وصحيح أن الكتاب أمر حسيّ والرسول كذلك له وجود حسيّ ، لكن لم نشاهد الوحي وهو ينزل الكتاب على الرسول . إذن فهو أمر غيبي ، وكذلك الإيمان باليوم الآخر أمر غيبي أيضاً ، والإيمان بالقضاء والقدر وهو ما غابت عنا حكمته ، وكلها إذن أمور غيبية .
هذا الإيمان في القمة ، لكن هناك إيمان آخر يجيء لأننا نعلم أن التشريعات لم تأت مرة واحدة ، بل كانت تأتي على مراحل ، فتشريع ينزل أولاً بأن نؤمن أنه من الله . إذن فالذي يزيد وينقص من الإيمان هو الإيمان بالتكليفات ، وأنها صادرة من الله عز وجل ، وكلما كانت تنزل آية بتشريع جديد كانت تزيد المؤمنين إيماناً ، فعندما نزل الأمر بالصلاة آمنوا بإقامتها واستجابوا ونفذوا ، ثم جاء الصوم فامتثلوا للأمر به ، ثم يجيء الأمر بالزكاة فتكون الطاعة والتنفيذ ، وطبعاً هناك فرق بين أن تؤمن بالشيء ، وأن تفعل الشيء .
فالإيمان شيء ، وفعله شيء ؛ لأن الإسلام هو الانقياد الظاهري للمنهج ، وتطبيق كل ما يجيء به الإسلام هو إيمان مستمر متزايد ؛ لأننا آمنا بأن ما يجيء من المنهج هو من الله . إذن فالذي يزيد هو توابع الإيمان من التكليفات والامتثال لهذه التكليفات ، مثال ذلك: كلنا نعرف قول الحق: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] .
لكن هناك أناس يتمسكون بحرفية قوله الحق: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين} [آل عمران: 97] .