() نحنُ أهلُ منازلٍ ... أبداً غرابُ البيْن فينا ينعق
ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال: {رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفَرْق. فزع موسى حتى خَرَّ صعقاً، والجبل صار دَكَّاً. ثم الروْح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية، ويكون الحقُّ - بعد امتحاء معالم موسى - خيراً لموسى من بقاء موسى لموسى، فعلى الحقيقة: شهود الحقائق بالحقِّ أتمُ من بقاء الخلق بالخلق، كذا قال قائلهم:
ولوجهها من وجهها قمرٌ ... ولعينها من عينها كحل
ويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى} {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} أتمُّ وأعظم منه قولُه: {لَن تَرَانِى} لأن ذلك صريحٌ في الرد، وفي اليأس راحة. لكنَّه لما قال فسوف أطْمِعُه فيما مُنعِه فلما اشتد موقُفه جعل الجبل دكاً، وكان قادراً على إمساك الجَبَل، لكنه قهر الأحباب الذي به جَرَتْ سُنَّتُهم.
ويقال في قوله: {انظُرْ إِلَى الجَبَلِ} بلاءٌ شديد لموسى لأنه نُفِيَ عن رؤية مقصوده ومُنِيَ برؤية الجبل، ولو أذِنَ أَنْ يُغْمِضَ جفنَه فلا ينظر إلى شيء بعدما بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمرُ أسهلَ عليه، ولكنه قال له: {لَن تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ} .
ثم أشدُّ من ذلك أنه أعطى الجبل التَّجليَ؛ فالجبل رآه وموسى لم يَرَه، ثم أَمَرَ موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال، وهذا - واللهِ - لصعبٌ شديد!! ولكن موسى لم ينازع، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرَكَ لا أنظر إلى غيرك بل قال: لا أرفع بصري عما أمرتني بأن أنظر إليه، وفي معناه أنشدوا:
أريدُ وصالَه ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد