وكذا زعمهم أن موسى عليه السلام ، كان سألها لقومه حيث قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ، فسأل ليعلموا امتناعها ، فإنه خلاف الظاهر ، وتكلف يذهب رونق النظم ، فترده ألفاظ الآية . وقد ثبت وقوع رؤيته تعالى في الآخرة ، بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فلقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة إلى ربِّهاَ ناظِرةٌ} ، وأما السنة فلا تحصى أحاديثها ولكن إذا أصيب أحد بداء المكابرة في الحق الصراح ، عسر إقناعه مهما قوي الدليل وعظمت الحجة .
قال في"فتح البيان": رؤيته تعالى في الآخرة ، ثبتت بها الأحاديث المتواترة تواتراً لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة ، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة . ومنهج الحق واضح ، ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الْإِنْسَاْن عليه ، وأدرك عليه أباه ، وأهل بلده ، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب . والمتعصب ، وإن كان بصره صحيحاً ، فبصيرته عمياء ، وأذنه عن سماع الحق صماء ، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل ، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق ، غفلة منه ، وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح ، وتلقى ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم ، وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع ، فإنه صار بها باب الحق مرتجاً ، وطريق الإنصاف مستوعرة ، والأمر لله سبحانه والهداية:
يأبى الفتى إلا اتّباعَ الهوى ومَنْهَجُ الحقِّ له واضِحُ
انتهى .
وهذا تعريض بالمعتزلة ، وفي مقدمتهم الزمخشري ، وقد انتقل - عفا الله عنه - أخيراً إلى هجاء أهل السنة بما أنشده:
لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري موكفه
قد شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وتَخَوَّفُوا شُنْعَ الورى فَتَسَتَّرُوا بِالْبَلْكَفَهْ
والبلكفة نحتٌ ، كالبسملة ، أي: بقولهم: بَلا كَيْفَ .