{مَذْءُومًا مَدْحُورًا} يَقُولُ: مَعِيبًا. وَالذَّأْمُ: الْعَيْبُ، يُقَالُ مِنْهُ: ذَأَمَهُ يَذْأَمُهُ ذَأْمًا فَهُوَ مَذْءُومٌ، وَيَتْرُكُونَ الْهَمْزَ فَيَقُولُونَ: ذِمْتُهُ أَذِيمُهُ ذَيْمًا وَذَامًا، وَالذَّأْمُ وَالذَّيْمُ أَبْلَغُ فِي الْعَيْبِ مِنَ الذَّمِّ، وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْبَيْتَ:
[البحر الطويل]
صَحِبْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَذِيمُهَا
وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَى إِنْشَادِهِ (أَلُومُهَا) .
وَأَمَّا الْمَدْحُورُ: فَهُوَ الْمُقْصَى، يُقَالُ: دَحَرَهُ يَدْحَرُهُ دَحْرًا وَدُحُورًا: إِذَا أَقْصَاهُ وَأَخْرَجَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمِ: ادْحَرْ عَنْكَ الشَّيْطَانَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا} فَقَالَ:"مَا نَعْرِفُ الْمَذْءُومُ وَالْمَذْمُومُ إِلَّا وَاحِدًا، وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَذْءُومُ مُنْتَقِصَةً، وَقَالَ الْعَرَبُ لِعَامِرٍ: يَا عَامُ، وَلِحَارِثٍ: يَا حَارُ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}
وَهَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَقْسَمَ أَنْ مَنِ اتَّبَعَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ وَأَطَاعَهُ وَصَدَّقَ ظَنَّهُ، عَلَيْهِ أَنْ يَمْلَأَ مِنْ جَمِيعِهِمْ، يَعْنِي مِنْ كَفَرَةِ بَنِي آدَمَ تُبَّاعِ إِبْلِيسَ وَمِنْ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ جَهَنَّمَ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً كَذَّبَ ظَنَّ عَدُوِّ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ، وَخَيَّبَ فِيهَا أَمَلَهُ وَأُمْنِيَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَطْمَعَ فِيهَا عَدُوَّهُ، وَاسْتَغَشَّهُ وَلَمْ يَسْتَنْصِحْهُ. وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا نَبَّهَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ عِبَادَهُ عَلَى قِدَمِ عَدَاوَةِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ إِبْلِيسَ لَهُمْ، وَسَالِفِ مَا سَلَفَ مِنْ حَسَدِهِ لِأَبِيهِمْ، وَبَغْيِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَعَرَّفَهُمْ مَوَاقِعَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ قَدِيمًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَوَالِدِهِمْ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْ طَاعَةِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَيُنِيبُوا إِلَيْهَا.