إذن فالجنة التي وُجد فيها آدم بداية ليست هي جنة الجزاء ؛ لأن جنة الجزاء لابد أن تأتي بعد التكليف . ولا يمكن أن يكون فيها تكليف ، ومن يسكنها لا يخرج منها . وآدم - كما علمنا - مخلوق للأرض ، إذن وجود الجنة هنا يعني أنها مكان التدريب على المهمة في الخلافة أمراً متمثلاً في {فَكُلاَ} ، ونهياً متمثلاً في {وَلاَ تَقْرَبَا} ، لم يقل لهما: لا تأكلا ، بل قال: {وَلاَ تَقْرَبَا} لأن القِربان مظنة أنه يؤدي إلى الغواية ويدفع إليها . وهو قد أكل منها لأنه جاء ناحيتها واقترب منها ، ولو كان قد استمع ولم يقرب لما أكل منها .
فكأن الله جعل لآدم في جنة التدريب والتمرين رمزين: الرمز الأول: ل"افعل"، والرمز الثاني: ل"لا تفعل"، ونجد أن الذي نهى الله عنه قليل بالنسبة لما أباحه وأمر به . وهذا من رحمة الله بالعباد ، فيفعل المؤمن ما يؤمر به ، ولا يحوم حول ما حرمه الله ؛ لأنه لا يأمن حين يرى ما حرم الله أن تميل نفسه إليه ، ولذلك قال: {وَلاَ تَقْرَبَا} فلو أنهما لم يقربا ما كانت الشجرة تغريهما بأي منظر . ولذلك في كثير من الأشياء التي يحرمها الحق سبحانه وتعالى وفي قمتها ما يصون ويحفظ العقيدة الأساسية ، يقول بعدم الاقتراب أو الاجتناب ، فسبحانه هو القائل:
{... فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور} [الحج: 30]
ولم يقل:"لا تعبدوا الأوثان"، بل قال:"فاجتنبوا"، والشأن في"الخمر"أيضاً جاء بالاجتناب . لكنّ بعضاً من السطحيين يقولون: لم يرد في الخمر تحريم بل قال بالاجتناب ، ونقول: الاجتناب أقوى من المنع ومن التحريم ، لأن غاية التحريم أن يمنعك من شرب الخمر . لكن الاجتناب يقتضي ألا تذهب ناحيتها ، ولا تقعد في المكان الذي توجد فيه ، ولا تعصرها ولا تحملها . {... وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} [الأعراف: 19]