وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين ، وعمى عما فِي القرآن مما به ينال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير فِي الدنيا والآخرة لمن لم يجاوز بصره وسمعه وعود وعيده وبروقها وصواعقها وما أعد الله لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه [الذي هو - بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب] والأرواح ومن المعارف الإلهية يبين طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد ، وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه. قال تعالى {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} [البقرة: 17 - 20] ، فهكذا حال كل من قصر نظره فِي بعض مخلوقات الرب سبحانه على ما لا بد منه من شر جزئى جداً بالإضافة إلى الخير الكثير ، ولو لم تكن فِي هذه النشأة الإنسانية إلا خاصته وأولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيراً ومصلحة ، ومن عاداهم - وإن كانوا أضعاف أضعاف أضعافهم - فهم كالقش والزبالة وغثاءِ السيل ، لا يعبأُ بكثرتهم ولا يقدح فِي الحكمة الإلهية ، بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفر معه [آلاف] مؤلفة من النوع الآخر فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ويرجح عليها كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل من وجود أضداده ، وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته