وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ {أَنَّهُ قَالَ: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَامِ الْحِدَأَةَ وَالْغُرَابَ وَالْفَأْرَةَ وَالْعَقْرَبَ} وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: {وَالْحَيَّةُ} ، فَفِي أَمْرِهِ بِقَتْلِهِنَّ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِنَّ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَلُ لَأَمَرَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى ذَكَاتِهَا فِيمَا تَتَأَتَّى فِيهِ الذَّكَاةُ مِنْهَا ، فَلَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَالْقَتْلُ إنَّمَا يَكُونُ لَا عَلَى وَجْهِ الذَّكَاةِ ثَبَتَ أَنَّهَا غَيْرُ مَأْكُولَةٍ ، وَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ كَانَ سَائِرُ مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ مِثْلَهَا ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ كَالْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ ، وَكَذَلِكَ الْيَرْبُوعُ لِأَنَّهُ جِنْسٌ مِنْ الْفَأْرِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي اعْتِبَارِهِ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَسْتَقْذِرُهُ وَأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْخَبَائِثِ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ قَاضٍ بِتَحْرِيمِ جَمِيعِهِ ،