الثاني أن النظر الموصول بإلى قد جاء للانتظار
قال الشاعر
وشعث ينظرون إلى بلال ... كما نظر الظماء حيا الغمام وقال
وجوه ناظرات يوم بدر ... إلى الرحمن يأتي بالفلاح وقال
كل الخلائق ينظرون سجاله ... نظر الحجيج إلى طلوع هلال والجواب لا نسلم أن النظر ههنا للانتظار
ففي الأول أي يرون بلالا كما يرى الظماء ماء
ولا يمتنع حمل النظر المطلق على الرؤية
إنما الممتنع حمل الموصول بإلى على غيرها
وفي الثاني أي ناظرات إلى جهة الله وهي العلو في العرف
ولذلك ترفع إليه الأيدي في الدعاء أو إلى آثاره من الضرب والطعن
وفي الثالث أي يرون سجاله ويجوز المجرد للرؤية آنفا
وإن سلم مجيئه مع إلى للانتظار فلا
إذ لا يصلح بشارة لما مر
الثالث إن النظر مع إلى لتقليب الحدقة
يقال نظرت إلى الهلال فما رأيته
ولم أزل أنظر إلى الهلال حتى رأيته
وانظر كيف ينظر فلان إلي
والرؤية لا ينظر إليها
وقال تعالى وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون
ولأنه يوصف بالشدة والشزر والازورار والرضا والتجبر والذل والخشوع وشيء منها لا يصلح صفة للرؤية بل هي أحوال يكون عليها عين الناظر عند تقليب الحدقة
هذا وتقليب الحدقة ليس هو الرؤية ولا ملزومها
ثم إنه للرؤية مجاز
ولا يتعين لجواز أن يراد ناظرة إلى نعم الله
ولم يترك هذا الإضمار إلى ذلك المجاز
والجواب إن النظر مع إلى للرؤية بالنقل
وقوله نظرت إلى الهلال فما رأيته لم يصح من العرب بل يقال نظرت إلى مطلع الهلال فلم أر الهلال وربما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه
وهو الجواب عن قولهم لم أزل أنظر إلى الهلال حتى رأيته
والبواقي كلها مجازات مع أن الأشياء التي يمكن إضمارها كثيرة
ولا قرينة معينة
فالتعيين تحكم لا يجوز لغة
ثم تقليب الحدقة طلبا للرؤية بدون الرؤية لا يكون نعمة
ومع الرؤية يكفيه التجوز
فلا يضم إليه الإضمار تقليلا لما هو خلاف الأصل
فإن تقليب الحدقة يكون سببا للرؤية
وإطلاق اسم السبب للمسبب مجاز مشهور