مُبَالَغَة فِي إِثْبَات الْمُشْتَرَك، قَالَ: وَبِالْحَمْلِ عَلَى هَذِهِ الِاسْتِعَارَة التَّخْيِيلِيَّة يَحْصُل التَّخَلُّص مِنْ مَهَاوِي التَّجَسُّم، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالْحِجَابِ اِسْتِعَارَة مَحْسُوس لِمَعْقُولٍ؛ لِأَنَّ الْحِجَاب حِسِّيّ وَالْمَنْع عَقْلِيّ، قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ ذِكْر الْحِجَاب فِي عِدَّة أَحَادِيث صَحِيحَة وَاللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَمَّا يَحْجُبهُ إِذْ الْحِجَاب إِنَّمَا يُحِيط بِمُقَدَّرٍ مَحْسُوس؛ وَلَكِنَّ الْمُرَاد بِحِجَابِهِ مَنْعه أَبْصَار خَلْقه وَبَصَائِرهمْ بِمَا شَاءَ مَتَى شَاءَ كَيْف شَاءَ، وَإِذَا شَاءَ كَشَفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده"وَمَا بَيْن الْقَوْم وَبَيْن أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبّهمْ إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه"فَإِنَّ ظَاهِره لَيْسَ مُرَادًا قَطْعًا فَهِيَ اِسْتِعَارَة جَزْمًا وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِالْحِجَابِ فِي بَعْض الْأَحَادِيث الْحِجَاب الْحِسِّيّ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ وَالْعِلْم عِنْد اللَّه تَعَالَى، وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ فِي شَرْح حَدِيث أَبِي مُوسَى عِنْد مُسْلِم"حِجَابه النُّور لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهه مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ"أَنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ حِجَابه خِلَاف الْحُجُب الْمَعْهُودَة فَهُوَ مُحْتَجِبٌ عَنْ الْخَلْق بِأَنْوَارِ عِزّه وَجَلَاله وَأَشِعَّة عَظَمَته وَكِبْرِيَائِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْحِجَاب الَّذِي تُدْهَش دُونه الْعُقُول وَتُبْهَت الْأَبْصَار وَتَتَحَيَّر الْبَصَائِر، فَلَوْ كَشَفَهُ فَتَجَلَّى لِمَا وَرَاءَهُ بِحَقَائِق الصُّدُفَات وَعَظَمَة الذَّات لَمْ يَبْقَ مَخْلُوق إِلَّا اِحْتَرَقَ، وَلَا مَنْظُور إِلَّا اِضْمَحَلَّ، وَأَصْل الْحِجَاب