لقد اختلف العلماء عند هذه الآية ، وتجلَّى خلافهم إلى أبعد حد ؛ فمنهم مجيز للرؤية ، ومنهم منكر لها ، وأرى أن خلافهم في غير محل نزاع ؛ لأنهم تكلموا عن الرؤية ، والكلام هنا عن نفي الإدراك ، والإدراك إحاطة ؛ والرؤية تكون إجمالاً ، إنما الإحاطة ليست ممكنة ، وعلى تقدير أن الرؤية والإدراك متحدان في المفهوم نقول: لماذا يكون الخلاف في أمر الآخرة؟ لو أن الخلاف في أمر الرؤية في الدنيا لكان هذا كلاماً جميلاً ، ولكن الخلاف جعلتموه في الآخرة .
إن آيات القرآن صريحة في أن رؤية الحق سبحانه وتعالى من نعم الله على المؤمنين ، وهي زيادة في الحسنى عليهم ، وحجبه سبحانه عن الكفار لون من العقوبة لهم ونقول - أيضاً -: لماذا لا تقولون إن الإدراك سيوجد في الآخرة بكيفية ليست موجودة في دنيانا؟ لأننا في هذه الدنيا معدُّون إعداد أسباب - وفي الآخرة سنكون معدين إعداداً لغير أسباب .
أنت هنا إذا أحببت أن تشرب تطلب الماء أو تذهب للماء وتشرب ، وحين تريد أن تأكل الشيء الفلاني ، تقول لأهل البيت: اصنعوا لي كذا أو تشتري ما تريده ، إنما هناك في الآخرة بمجرد أن يخطر ببالك ما تشتهيه تجده أمامك ، وهذا قانون جديد لا ارتباط له بقانون الدنيا ، فلماذا لا يكون في تكويننا في الآخرة أيضاً قانون يمكن به أن نرى الله وفي إطار ليس كمثله شيء ؟
إن في الآخرة قضايا يتفق الجميع على انها تخالف قوانين الدنيا ونواميس العالم المعاصر لنا الآن في الأكل والشرب ، والتخلص من الفضلات ، لكن في الآخرة سنأكل ونشرب ولكن لن توجد فضلات ؛ لأنك أنت الان تطهى وتهضم ، وفي الهضم أنت تأخذ بعض الطعام ويبقى منه فضلات لابد أن تخرج ، لكن الطهي والهضم في الآخرة ب"كن"وليس له فضلات ، إنه طعام بقدرة القادر ، في الجنة كل ما تريده ستناله دون أن ينفد ، وفي الدنيا أي شيء يؤخذ منه ينقص ، أما في الآخرة فلا شيء ينقص لأن له مدداً من القيومية .