ويدل عليه ما أخرجه الحكيم الترمذي في"نوادر الأصول"وأبو نعيم في"الحلية"عن ابن عباس قال:"تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] فقال: قال الله تعالى: يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم"قولهم: بل هي دائمة لأن قولك: فلان تدركه الأبصار لا يفيد عموم الأوقات فلا بد أن يفيده ما يقابله ، قلنا: هذا لا يتم إلا إذا وجب أن يكون التقابل من الله تعالى تدركه الأبصار و"لا تدركه الأبصار"تقابل تناقض ولا موجب لذلك لا عقلياً ولا لغوياً ولا شرعياً: أما الأول فلأنا إذا وجدنا قضية موجبة مطلقة جاز أن يقابلها سالبة دائمة مطلقة وأن يقابلها سالبة دائمة ولا تتعين الدائمة الصادقة إلا إذا كانت المطلقة كاذبة قطعاً لكن كذب المطلقة ههنا أول البحث وعين المتنازع فيه فلا يجوز أن يبنى كون {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار} دائمة على كذب هذه المطلقة أعني الله تعالى يدركه الأبصار مراداً بها أبصار المؤمنين في الجنة والموقف لأنه مصادرة على المطلوب المستلزم للدور ، وأما الثاني فلأن الجملة ثبوتية كانت أو منفية تستعمل بحسب المقامات تارة في الإطلاق وتارة في الدوام وليس يجب في اللغة أنا إذا وجدنا جملة مثبتة استعملت في مقام ما في معنى الإطلاق أن تكون الجملة المقابلة لها مستعملة في معنى الدوام ألبتة بل يخلتف باختلاف المقامات وقصد المستعملين لها وهو ظاهر جداً ، وأما الثالث فلأن المطلقة المذكورة بالمعنى السابق عين المتنازع فيه بيننا وبين المعتزلة شرعاً فنحن نقول إنها صادقة شرعاً ونحتج عليها بالعقل والنقل من الكتاب والسنة ، وكلما كان كذلك لزم أن لا يكون {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار} دائمة دفعا للتناقض فتكون إما مطلقة عامة أو وقتية مطلقة ، وعلى التقديرين لا تناقض لانتفاء