والأذن رسوله المؤدي له جميع المسموعات.
واللسان ترجمانه المخبر عنه.
وجعل الله عزَّ وجلَّ الرئتين كالمروحة تروح عليه دائماً، لأنه أكثر الأعضاء عملاً، وأشدها حرارة.
هذا خلق الله في قطرة واحدة من ماء مهين، فكم خلق الله من قطرة في العالم؟، وكم جعل في هذه القطرة من الأحياء؟.
هذا في عالم الإنسان .. فكم من العجائب في خلق الحيوانات .. والطيور والزواحف .. والحشرات .. وغيرها من المخلوقات .. ؟
فسبحان الخلاق العليم الذي تولى خلق هذه النطفة، وجعل منها إنساناً سوياً، سميعاً بصيراً: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) } [غافر: 62] .
فما أعظم قدرة الله، وما أعظم صنعه في هذه النطفة، كيف جعلها إنساناً، وبث منها البشرية المنتشرة على وجه الأرض؟.
فمن هذه عظمته، وهذه نعمه، وهذا صنعه، كيف لا يعبده الإنسان ويطيعه، وهو الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره؟.
أما يخاف هذا الإنسان يوماً عبوساً قمطريراً: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) [غافر: 52] .
إن الإنسان إذا نظر إلى غذائه، في مدخله ومستقره ومخرجه، رأى فيه العبر والعجائب:
كيف جعل الله له آلة يتناوله بها، ثم باباً يدخل منه، ثم آلة تقطعه صغاراً، ثم طاحون يطحنه، ثم أعين بماء يعجنه، ثم جعل له مجرى وطريقاً إلى جانب النفس، ينزل هذا، ويصعد هذا.
فإذا وصل إلى المعدة، التي هي خزانته، ولها بابان، باب أعلى يدخل منه الطعام، وباب أسفل يخرج منه ثفله.
والباب الأعلى أوسع من الأسفل، والأسفل منطبق دائماً، فإذا انتهى الهضم، انفتح ذلك الباب لخروج الفضلات.
وقد أحاط الله المعدة من داخلها وخارجها بحرارة نارية، ربما تزيد على حرارة النار، ينضج بها الطعام فيها، كما ينضج الطعام في القدر بالنار.
فإذا أذابته المعدة وطبخته، علا صفوه إلى فوق، ورسا كدره إلى أسفل، ومن المعدة عروق متصلة بسائر البدن، يبعث فيها نصيب كل عضو وقوامه، بحسب استعداده وقبوله.
فيبعث ألطف ما يتولد من الغذاء وأخفه وأشرفه إلى الأرواح.