كان في اليوم الثامن من الشهر واستحكم الحصر دفع إلى الرجالة كعكا وسويقا ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير ووكل بمعسكره ذلك من يحفظه وانحدروا وأمر الرجالة أن يصعدوا إلى رؤوس تلك الجبال وأن يصعدوا معهم بالماء وبجميع ما يحتاجون إليه ففعلوا ذلك وعسكر ناحية ووجه أبا سعيد ليواقف القوم على حسب ما كان يواقفهم وأمر الناس بالنزول في سلاحهم وألا يأخذ الفرسان سروج دوابهم ثم خط الخندق وأمر الفعلة بالعمل فيه ووكل بهم من يستحثهم ونزل هو والفرسان فوقفوا تحت الشجر في ظل يرعون دوابهم فلما صلى العصر أمر الفعلة بالصعود إلى رؤوس الجبال التي حصنها مع الرجالة وأمر الرجالة أن يتحارسوا ولا يناموا ويدعوا الفعلة فوق الجبال ينامون وأمر الفرسان بالركوب عند اصفرار الشمس فصيرهم كراديس وقفها حيالهم بين كل كردوس وكردوس قدر رميه سهم وتقدم إلى جميع الكراديس إلا يلتفتن كل واحد منكم إلى الآخر ليحفظ كل واحد منكم ما يليه فإن سمعتم هدة فلا يلتفتن أحد منكم إلى أحد وكل كردوس منكم قائم بما يليه فإنه لا بهدة يأخذ فلم يزل الكراديس وقوفا على ظهور دوابهم إلى الصباح والرجالة فوق رؤوس الجبال يتحارسون وتقدم إلى الرجالة متى ما أحسوا في الليل بأحد فلا يكترثوا وليلزم كل قوم منهم المواضع التي لهم وليحفظوا جبلهم وخندقهم فلا يلتفتن أحد إلى أحد فلم يزالوا كذلك إلى الصباح ثم أمر من يتعاهد الفرسان والرجالة بالليل فينظر إلى حالتهم فلبثوا في حفر الخندق عشرة أيام ودخله اليوم العاشر فقسمه بين الناس وأمر القواد أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم على الرفق وأتاه رسول بابك ومعه قثاء وبطيخ وخيار يعلمه أنه في أيامه هذه في جفاء إنما يأكل الكعك والسويق هو وأصحابه وأنه احب أن يلطفه بذلك فقال الأفشين للرسول قد عرفت أي شيء أراد أخي بهذا إنما أراد أن ينظر إلى العسكر وانا أحق من قبل بره وأعطاه شهوته فقد صدق أنا في جفاء وقال للرسول أما انت فلا بد لك أن تصعد حتى ترى معسكرنا فقد رأيت ما ها هنا وترى ما وراءنا أيضا فأمر بحمله على دابة وأن يصعد به حتى يرى الخندق ويرى خندق كلان روذ وخندق برزند ولينظر الى الخنادق الثلاثة يتأملها ولا يخفى عليه منها شيء ليخبر به صاحبه ففعل به ذلك حتى صار الى برزند ثم رده إليه فأطلقه وقال له اذهب فاقرئه مني السلام وكان من الخرمية الذين يتعرضون لمن يجلب الميرة إلى العسكر ففعل ذلك مرة أو مرتين ثم جاءت الخرمية بعد ذلك في ثلاثة كراديس حتى صاروا قريبا من سور خندق الأفشين يصيحون فأمر الأفشين الناس ألا ينطق أحد منهم ففعلوا ذلك ليلتين أو ثلاث ليال وجعلوا يركضون دوابهم خلف السور ففعلوا ذلك غير مرة فلما أنسوا هيأ لهم الأفشين أربعة كراديس من الفرسان والرجالة فكانت الرجالة نا شبة فكمنوا لهم في الأودية ووضع عليهم العيون فلما انحدروا في وقتهم الذي كانوا ينحدرون فيه في كل مرة وصاحوا وجلبوا كعادتهم شدت عليهم الخيل والرجالة الذين رتبوا فأخذوا عليهم طريقهم
وأخرج الأفشين إليهم كردوسين من الرجالة في جوف الليل فأحسوا أن قد أخذت عليهم العقبة فتفرقوا في عدة طرق حتى أقبلوا يتسلقون الجبال فمروا فلم يعودوا إلى ما كانوا يفعلون ورجع الناس من الطلب مع صلاة الغداة إلى الخندق بروذ الروذ ولم يلحقوا من الخرمية أحدا
ثم إن الأفشين كان في كل أسبوع يضرب بالطبول نصف الليل ويخرج بالشمع والنفاطات إلى باب الخندق وقد عرف كل إنسان منهم كردوسه من كان في الميمنة ومن كان في الميسرة فيخرج الناس فبقفون في مواقفهم