فمما كان فيها من ذلك هزيمة عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم
ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف قال حدثني أبو الزبير الهمداني قال كنت في خيل جبلة بن زحر فلما حمل عليه أهل الشأم مرة بعد مرة نادانا عبدالرحمن أبي ليلى الفقيه فقال يا معشر القراء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم إني سمعت عليا رفع الله درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشأم أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونور في قلبه اليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه
وقال أبو البختري أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم
وقال الشعبي يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فوالله ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار
وقال سعيد بن جبير قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة
قال أبو مخنف قال أبو الزبير فتهيأنا للحملة عليهم فقال لنا جبلة إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم قال فحملنا عيهم حملة بجد منا في قتالهم وقوة منا عليهم فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشفترت ثم مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه ثم انصرفنا فمررنا بجبلة صريعا لا ندري كيف قتل
قال فهدنا ذلك وجبنا فوقفنا الذي كنا به وإن قراءنا لمتوافرون ونحن نتناعى جبلة بن زحر بيننا كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه بل هو في ذلك الموطن كان أشد عليا فقدا فقال لنا أبو البختري الطائي لا يستبينن فيكم قتل جبلة بن زحر فإنما كان كرجل منكم أتته منيته ليومها فلم يكن ليتقدم يومه ولا ليتأخر عنه وكلكم ذائق ما ذاق ومدعو فمجيب قال فنظرت إلى وجوه القراء فإذا الكآبة على وجوههم بينة