وجوههم وترك الناس أسواقهم وأمتعتهم ظنا منهم أن العدو قد أظلهم ولم يلو منهم أحد على أحد وقصدوا قصد الرجوع إلى عسكرهم ببردودا وساروا في سواد ليلتهم تلك ثم ظهر لهم بعد ذلك حقيقة الخبر فسكنوا واطمأنوا
وفي صفر من هذه السنة كان بين أصحاب كيغلغ التركي وأصحاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وقعة بناحية قرماسين فهزمهم كيغلغ وصار إلى همذان فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن قد اجتمع من أصحابه في صفر فحاربه فانهزم كيغلغ وانحاز إلى الصيمرة
وفي هذه السنة لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر دخل أبو أحمد وأصحابه طهيثا وأخرجوا منها سليمان بن جامع وقتل بها أحمد بن مهدي الجبائي
ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه ببردودا فأصلح ما أراد إصلاحه من عدة حرب من قصد لحربه في مخرجه سار متوجها إلى طهيثا وذلك يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين وكان مسيره على الظهر في خيله وحدرت السفن بما فيها من الرجالة والسلاح والآلات وحدرت المعابر والشذوات والسميريات إلى أن وافى بها النهر المعروف بمهروذ بحضرة القرية المعروفة بقرية الجوزية فنزل أبو أحمد هناك وأمر بعقد الجسر على النهر المعروف بمهروذ وأقام يومه وليلته ثم غدا فعبر الفرسان والأثقال بين يديه على الجسر ثم عبر بعد ذلك وأمر القواد والناس بالمسير إلى طهيثا فصاروا إلى الموضع الذي ارتضاه أبو أحمد لنفسه منزلا على ميلين من مدينة سليمان بن جامع فأقام هنالك بإزاء أصحاب الخائن يوم الاثنين والثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر ومطر السماء مطرا جودا واشتد البرد أيام مقامه هنالك فشغل بالمطر والبرد عن الحرب فلم يحارب هذه الأيام وبقية الجمعة فلما كان عشية يوم الجمعة ركب أبو أحمد في نفر من قواده ومواليه لارتياد موضع لمجال الخيل فانتهى إلى قريب من سور سليمان بن جامع فتلقاه منهم جمع كثير وخرج عليه كمناء من مواضع شتى ونشبت الحرب واشتدت فترجل جماعة من الفرسان ودافعوا حتى خرجوا عن المضايق التي كانوا وغلوها وأسر من غلمان أبي أحمد وقواده غلام يقال له وصيف علمدار وعدة من قواد زيرك ورمى أبو العباس أحمد بن مهدي الجبائي بسهم في إحدى منخريه فخرق كل شيء وصل إليه حتى خالط دماغه فخر صريعا وحمل إلى عسكر الخائن وهو لمآبه فعظمت المصيبة به عليه إذ كان أعظم أصحابه غنى عنه وأشدهم بصيرة في طاعته فمكث الجبائي يعالج أياما ثم هلك فاشتد جزع الخائن عليه فصار إليه فولي غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن دفن ثم أقبل على أصحابه فوعظهم وذكر موت الجبائي وكانت وفاته في ليلة ذات رعود وبروق وقال فيما ذكر علمت وقت قبض روحه قبل وصول الخبر إليه بما سمع من زجل الملائكة بالدعاء له والترحم عليه
قال محمد بن الحسن فانصرف إلي أبو واثلة وكان فيمن شهده فجعل يعجبني مما سمع وجاءني