روى الإِمام أحمد في"الزهد"، وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مرة رحمه الله: أنَّ رجلًا قال لأبي الدرداء - رضي الله عنه: أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، واعلم أن قليلاً يكفيك، خير من كثير يلهيك، واعلم أنَّ البر لا يبلى، والإثم لا ينسى.
وإنما كان البر لا يبلى؛ لأنه صار عند الله تعالى، وقد قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [سورة النحل: 96] .
* فائِدَةٌ مُتَمِّمَةُ الْعِشْرِيْنَ:
روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ما من نفسٍ برَّةٍ، ولا فاجرةٍ إلا وأنَّ الموت خيرٌ لها من الحياة؛ لئن كان براً لقد قال الله تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [سورة آل عمران: 198] ، ولئن كان فاجراً لقد قال الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [سورة آل عمران: 178] .
قلت: ولعل محل هذا فيما لو خشي البر على نفسه بالحياة، أو خشي عليه تغير الحال، أو خِيفَ على الفاجر الاسترسال في الفجور فيعظم عقابه، وإلا فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ"
وَحَسُنَ عَمَلُهُ". رواه الترمذي من حديث عبد الله بن بُسر - رضي الله عنه -، وحسنه."
وصحح من حديث أبي بكرة - رضي الله عنه: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال:"مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ"، قال: فأي الناس شر؟ قال:"مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ".
ومن ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وإمَّا مُسِيْئًا فَلَعَلَهُ يَسْتَعْتِبُ". رواه الشيخان.