أَقُولُ: يَعْنُونَ بِالْقُرَّاءِ عُلَمَاءَ الدِّينِ ، يَعْنِي أَنَّ الشَّيْطَانَ يُلَبِّسُ عَلَى رِجَالِ الدِّينِ مَا يَلْبِسُونَ فَيَقُولُ لَهُمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّنَا لَا نُرِيدُ بِغِشْيَانِ الْأُمَرَاءِ وَالتَّرَدُّدِ عَلَيْهِمْ إِلَّا نَفْعَ النَّاسِ ، وَدَفْعَ الْمَظَالِمِ عَنْهُمْ ، وَهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُونَ الْمَالَ وَالْجَاهَ بِدِينِهِمْ ، وَيَقِلُّ الصَّادِقُ فِيهِمْ . وَهَكَذَا أَضَاعُوا دِينَهُمْ فَنَبَذُوا كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا .
وَقَدْ نَظَمَ كَثِيرُونَ مِنْ نَاظِمِي الْحِكَمِ بَعْضَ هَذِهِ الْمَعَانِي . وَمِنْ أَحْسَنِ مَا نُظِمَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
قُلْ لِلْأَمِيرِ مَقَالَةً ... لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى فَقِيهِ
إِنَّ الْفَقِيهَ إِذَا أَتَى ... أَبْوَابَكُمْ لَا خَيْرَ فِيهِ
قَالَ - تَعَالَى -: فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ أَيْ هُوَ ذَمِيمٌ قَبِيحٌ ، لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ هَذَا الْعَرَضَ الْفَانِيَ بَدَلًا مِنَ النَّعِيمِ الْبَاقِي فِي الْآخِرَةِ ، وَكَذَا مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلْأُمَّةِ بِمُحَافَظَةِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْكِتَابِ ، وَتَبْيِينِهِ لَهَا ، وَإِرْشَادِهَا بِهِ إِلَى مَا يُهَذِّبُ أَخْلَاقَهَا ، وَيُعْلِي آدَابَهَا ، وَيَجْمَعُ كَلِمَتَهَا ، وَيَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَطَامِعِ الْمُسْتَبِدِّينَ فِيهَا حَتَّى تَكُونَ أُمَّةً عَزِيزَةً قَوِيَّةً مُتَكَافِلَةً مُتَضَامِنَةً ، أَمْرُهَا شُورَى بَيْنَ أَهْلِ الرَّأْيِ ، وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْ أَفْرَادِهَا .
ثُمَّ قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ