وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ مَرْفُوعٌ، وَلَا جَحْدَ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يُرْفَعُ مَا بَعْدَ إِلَّا بِإِتْبَاعِهِ مَا قَبْلَهُ إِذَا كَانَ نَكِرَةً وَمَعَهُ جَحْدٌ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ؛ فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا أَبَاكَ، فَإِنَّ وَجْهَ الْكَلَامِ فِي الْأَبِ النَّصَبُ. وَ «مَنْ» بِصِلَتِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} مَعْرِفَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ رَفْعًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ؟ أَوْ مَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، فَرُفِعَ مَا بَعْدَ إِلَّا مِنَ اللَّهِ عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلَامِ، لَا عَلَى لَفْظِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْإِصْرَارِ وَمَعْنَى الْكَلِمَةِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ، «فَإِيَّاكُمْ وَالْإِصْرَارَ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الْمُصِرُّونَ الْمَاضُونَ قُدُمًا، لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَةُ اللَّهِ عَنْ حَرَامٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ ذَنْبٍ أَصَابُوهُ، حَتَّى أَتَاهُمُ الْمَوْتُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَمْ يُوَاقِعُوا الذَّنْبَ إِذَا هَمُّوا بِهِ
وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِتْيَانُ الْعَبْدِ ذَنْبًا إِصْرَارًا حَتَّى يَتُوبَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْإِصْرَارِ السُّكُوتُ عَلَى الذَّنْبِ، وَتَرْكُ الِاسْتِغْفَارِ