وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْإِصْرَارُ الْإِقَامَةُ عَلَى الذَّنْبِ عَامِدًا، أَوْ تَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْهُ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ: هُوَ مُوَاقِعَتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَدَحَ بِتَرْكِ الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ مُوَاقِعَ الذَّنْبِ، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وَلَوْ كَانَ الْمُوَاقِعُ الذَّنْبَ مُصِرًّا بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهُ، لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِغْفَارِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَالنَّدَمُ، وَلَا يُعْرَفُ لِلِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْبٍ لَمْ يُوَاقِعْهُ صَاحِبُهُ وَجْهٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِمْ: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِيَ أَتَوْا مَعْصِيَةُ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَوَصَفَهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ {جَزَاؤُهُمْ}
يَعْنِي ثَوَابَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ عَمِلُوهَا، {مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ}
يَقُولُ: عَفْوٌ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَهُمْ عَلَى مَا أَطَاعُوا اللَّهَ فِيهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ بِالْحَسَنِ مِنْهَا جَنَّاتٌ، وَهِيَ الْبَسَاتِينُ {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}
يَقُولُ: تَجْرِي خِلَالَ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ، وَفِي أَسَافِلِهَا جَزَاءً لَهُمْ عَلَى صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، {خَالِدِينَ فِيهَا}