يخلو كما خلوا. فرد عليهم بأنه ليس إلا رسول كسائر الرسل سيخلو كما خلوا ويجب
التمسك بدينه بعده كما وجب التمسك بدينهم بعدهم إلَى [أن ينسخ] ومن زعم أنه يلزم
من حمله عَلَى قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة فقد سها وذهل عن
الوصف؛ إذ الإنكار ناظر إلَى الوصف دون الرسالة. وصاحب المفتاح ذهب إلَى أنه قصر
إفراد بناء عَلَى أنه قد جعل (قَدْ خَلَتْ) ابتداء كلام فلو جعل [حِينَئِذٍ] قصر قلب لزم كون
المخاطبين منكرين للرسالة.
قوله:( [إِنكارًا] لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه بموت أو قتل بعد
علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكًا به) إنكار لارتدادهم أي إنكار للواقعي
بمعنى أنه لا يَنْبَغي أن يكون ذلك، فعلى هذا مراده التغليط لأن الارتداد غير منقول عنهم
ولو حمل الإنكار عَلَى الإنكار الوقوعي لاندفع الإشكال لكن لا يلائم السوق. نعم قوله
تَعَالَى: (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) إن كان معناه رجعتم إلَى ما كنتم عليه
من الكفر بثبت ارتداد بعضهم لكن الظَّاهر أن معناه الانقلاب بالإدبار والفرار، لكن قوله عَلَى
أعقابهم من الدين ظَاهر في حمله عَلَى الارتداد فهو إما محمول عَلَى التغليظ أو الْقَوْل
بارتداد بعضهم، فعلى هذا الفاء لمجرد التعقيب لا للسببية فإنه لا يتسبب عن خلوه وخلو
الرسل ما ذكر بل عكسه.
قوله: (وقيل الفاء للسببية) قائله الزمخشري.
قوله:(والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم عَلَى أعقابهم بعد
وفاته)أي ليس هذا إنكار ارتدادهم صريحًا بل إنكار أن يجعلوا خلو الرسل سببًا لانقلابهم
على أعقابهم بعد موته بمعنى لا يَنْبَغي الجعل الْمَذْكُور فإن خلو الرسل المتقدمين سبب
لتمسكهم بدينه عَلَيْهِ السَّلَامُ بعد موته كسائر الْأَنْبيَاء عليهم السلام ففي انقلابهم عَلَى
أعقابهم عن الدين تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولًا يخلو كما خلت
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: [إنكارًا لارتدادهم] وانقلابهم فالفاء يدل عَلَى أن هذا مرتب عَلَى ما قبله فإن كون مُحَمَّد
رسولًا موافقًا للرسل قبله في التمسك بدينه بعد خلوه سبب لإنكار انقلابهم عَلَى أعقابهم.
قوله: وقيل الفاء للسببية بأن يجعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم، فعلى هذا الوجه يكون
الهمزة لإنكار السبب فإن القوم لما جعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم عن دينه أنكر ذلك
عليهم لأن خلوهم مع بقاء التمسك بدينهم سبب لثبات المخاطبين عَلَى دينه بعده - صلى الله عليه وسلم - والتمسك به
فَكَيْفَ عن كونه سبب الانقلاب عنه، والفرق بين هذين الوَجْهَيْن أن المسبب عن خلو الرسل قبله
في الأول إنكار الانقلاب، وفي الوجه الثاني نفس الانقلاب.