من فعل ذلك لم يقتصر تعالى معه على ترك الذنب عليه ، بل
يجعل له جنات ، وجعل هذه الجنات على أوصاف يتصورها
الوهم ، ويدرك مثلها الحس ، وجعل للفرقة الأولى جنة لا
يتصورها الوهم ، ولا يحيط بها الحسّ ، فإن جنّة عرضها
السماوات والأرض مع كونها فِي السماء إشارة إلى ما قاله - صلى الله عليه وسلم -:
"ما لا عين رأت"، وذلك مما لا يتصوّره الوهم ، ولا كانت
الفرقة الأولى عاملت أنفسهم وعباد الله بضرب عامل الله به عباد الله
وهو الجود والحلم والعفو ، سماهم هو تعالى بما استحقه ، وهو
المحسن ، وقابلهم بمقابلةٍ يطلبها هو من العباد أن يقابلوه بها.
وهي المحبة ، فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
والفرقة الثانية: عاملت أنفسها وعباد الله بما لا يصح أن يوصف الله به.
بل يوصف به العبد المتدارك لتقصيره ، جعلهم من العَمَلة
المستحقة للأجر ، وسمى نفسه حيث ذكر مقابلة الفرقة
الأولى فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، وهو أعم الأسماء
وأخصها به ، تنبيها أنهم يراعونه بالإِلهية ، وسمى نفسه
حيث ذكر مقابلة الفرقة الثانية ربهم ، تنبيهاً أنهم يراعونه
بالنعمة الواصلة إليهم ، التي هي سبب تربيتهم ، وعلم أن
منزلة الفرقة الأولى منزلة الشاكرين الموصوفين بقوله:
(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) ، ومنزلة الفرقة الثانية منزلة
الصابرين الموصوفين بقوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، فذكر فِي الشاكرين المجازاة الجارية بين الأحباء ، وذكر فِي الصابرين الأجرة كفاءَ ما يجعل للأجراء ، وإن كان قد جعلها بلا حساب ، وشتّان ما بين الأجير والحبيب ، وهذه من المواضع التي لم أر من تحرى مذهب
التحقيق ، واشتغل به مع صعوبته ، غير أن ابن بحر لما انتهى
إلى قوله: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ) ، قال: إن المغفرة المذكورة