كي نعرف أن ربنا - جل جلاله - لا ينفعل لأحد ؛ لأن الانفعال من الأغيار ، وهذا رسوله فأنزل - سبحانه - عليه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ويأتي هنا الأمر بكظم الغيظ ، وهو سبحانه يأتي بهذا الأمر فِي مسألة تخص الرسول وفي حدث"أٌحد". وبعد ذلك يُشيعها قضية عامة لتكون فِي السلم كما كانت فِي الحرب. وتكون مع الناس دون رسول الله ؛ لأنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} ونعرف أن كل الأمور المعنوية مأخوذة من الحسّيات. وأصل الكظم أن تملأ القِرْبة ، والقِرَب - كما نعرف - كان يحملها"السقا"فِي الماضي ، وكانت وعاء نقل الماء عند العرب ، وهي من جلد مدبوغ ، فإذا مُلئت القربة بالماء شُدّ على رأسها أي رٌُبط رأسها ربطاً محكماً بحيث لا يخرج شيء مَمّا فيها ، ويقال عن هذا الفعل:"كظم القربة"أي ملأها وربطها ، والقربة لينة وعندما توضع على ظهر واحد أو على ظهر الدابة فمن ليونتها تخرج الماء فتكظم وتربط بإحكام كي لا يخرج منها شيء .
كذلك الغيظ يفعل فِي النفس البشرية ، إنه يهيجها ، والله لا يمنع الهياج فِي النفس لأنه انفعال طبيعي ، والانفعالات الطبيعية لو لم يردها الله لمنع أسبابها فِي التكوين الإنساني.
إنما هو يريدها لأشياء مثلا: الغريزة الجنسية ، هو يريدها لبقاء النوع ، ويضع من التشريع ما يهذبها فقط ، وكذلك انفعال الغيظ ، إن الإسلام لا يريد من المؤمن أن يُصَبَّ فِي قالب من حديد لا عواطف له ، لا ، هو سبحانه يريد للمؤمن أن ينفعل للأحداث أيضاً ، لكن الانفعال المناسب للحدث ، الانفعال السامي الانفعال المثمر ، ولا يأتي بالانفعال المدمر.
لذلك يقول الحق:
{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}