[الفتح: 29]
فالمؤمن ليس مطبوعاً على الشدة ، ولا على الرحمة ، ولكن الموقف هو الذي يصنع عواطف الإنسان ، فالحق سبحانه يقول:
{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]
وهل هناك من هو ذليلٌ عزيزٌ معاً ؟ نقول: المنهج الإيماني يجعل المؤمن هكذا ، ذلة على أخيه المؤمن وعزة على الكافر. إذن فالإسلام لا يصب المؤمنين فِي قالب كي لا ينفعلوا فِي الأحداث.
ومثال آخر: ألم ينفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم ؟ لقد انفعل وبكى وحزن. إن الله لا يريد المؤمن من حجر. بل هو يريد المؤمن أن ينفعل للأحداث ولكن يجعل الانفعال على قدر الحدث ، ولذلك قال سيدنا رسول الله عند فراق ابنه:"إن العين تدمع وإن القلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
ولا نقول لحظة الانفعال ما يسخط الرب. بل انفعال موجّه ، والغيظ يحتاج إليه المؤمن حينما يهيج دفاعاً عن منهج الله ، ولكن على المؤمن أن يكظمه.. أي لا يجعل الانفعال غالبا على حسن السلوك والتدبير. والكظم - كما قلنا - مأخوذ من أمر محس. مثال ذلك: نحن نعرف أن الإبل أو العجماوات التي لها معدتان ، واحدة يُختزن فيها الطعام ، وأخرى يتغذى منها مباشرة كالجمل مثلاً ، إنه يجتر.
ومعنى: يجتر الجمل أي يسترجع الطعام من المعدة الإضافية ويمضغه ، هذا هو الاجترار. فإذا امتنع الجمل عن الاجترار يقال: إن الجمل قد كظم. والحق سبحانه يقول: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} .