وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَال:"جَنَتّانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَتّانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِه في جَنَّةِ عَدْنٍ".
وقد قال تعالى {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) } [الرحمن: 46] فذكرهما ثم قال: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) } [الرحمن: 62] فهذه أربعٌ، وقد اختلف في قوله"ومن دونهما"هل المراد به أنهما فوقهما أو تحتهما، على قولين:
فقالت طائفة: من دونهما أي: أقرب منهما إلى العرش فيكونان فوقهما.
وقالت طائفة: بل معنى من دونهما: تحتهما، قالوا: وهذا المنقول في لغة العرب، إذا قالوا: هذا دون هذا أي: دونه في المنزلة، كما قال بعضهم لمن بالغ في مدحه: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك، وفي الصحاح: دون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية ثم قال: ويقال: هذا دون هذا أي أقرب منه، والسياق يدل على تفضيل الجنتين الأوليين من عشرة أوجه.
أحدها: قوله {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) } [الرحمن: 48] وفيه قولان: أحدهما: أنه جمع فنن وهو الغصن، والثاني: أنه جمع فن وهو الصنف أي ذواتا أصناف شتى من الفواكه وغيرها ولم يذكر ذلك في اللتين بعدهما.
الثاني: قوله {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) } [الرحمن: 50] وفي الأخريين {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) } (الرحمن: 66) والنضاخة هي الفوارة والجارية السارحة وهي أحسن من الفوارة فإنها تتضمن الفوران والجريان.
الثالث: أنه قال: {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) } [الرحمن: 52] وفي الأخريين {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) } [الرحمن: 68] ولا ريب أن وصف الأوليين أكمل.