الأولى: أن ذلك يجلب العداوة والبغضاء بين من يجهرون بالسوء، ومن ينسب إليهم هذا السوء، وقد يفضي إلى جحد الحقوق، وسفك الدماء.
الثانية: أن الجهر بالسوء بين الناس يؤثر في نفوس السامعين، فيقتدي بعضهم
بعض، فيجهر بالسوء مثله، أو يقلد فاعل السوء في عمله، والجهر بالسوء مباح للمظلوم للضرورة كما قال سبحانه: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) } [النساء: 148] .
والمعروف قسمان:
ظاهر كالصلاة والزكاة ونحوهما .. وباطن كالإيمان والتوحيد ونحوهما.
والمنكر قسمان:
ظاهر كالقتل والزنا والفواحش .. وباطن كالشرك والكبر والنفاق.
وإنكار المنكر له أربع حالات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقل وإن لم يزُل بجملته.
الثالثة: أن يزول ويخلفه مثله.
الرابعة: أن يزول ويخلفه ما هو شر منه.
فالأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنكار المنكر وتغيير المنكر ليحصل بذلك من المعروف ما يحبه الله ورسوله.
فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله منه، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإن ذلك أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر.
وقد استأذن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟. فقال: «لا، مَا أقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ» أخرجه مسلم.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأى مِنْ أمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ
شِبْراً فَمَاتَ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» متفق عليه.
ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الصغار والكبار رآها من إضاعة هذا الأصل العظيم، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه.