وذاع صيت بوذا فِي الآفاق وهو على حاله حتى انتهى
به تعذيب الجسد وإرهاق النفس إلى حد السكون التام، لا
يتحرك، فكانت الطيور تقف عليه آمنة وكأنها تقف على
عود ثابت، بل كانت الوحوش تتحرك خلفه مطمئنة لا
تقربه بسوء، وعاش على ذلك ست سنوات دراكاً ومعه
خمسة النساك، إلا أنه صحا من سكونه ومن الحياة التي
حييها على جديد من الأمر، فقد أحس أن التجربة التي
خاضها لم تحقق مأمله، وصمم على الانتقال إلى حياة غير
الحياة السابقة، وحدَّث زملاءه الخمسة، فلم يستطيعوا ثَنْيَه
عن عزيمته فأخفقوا، فاتهموه بالردة والمروق، فاعتزلوه
وتركوه وغادروا المكان إلى مرج الغزال فِي مدينة بنارس.
أما بوذا فكان قد استرد بعض قواه ونشاطه، وانتقل
إلى شجرة جلس تحتها متربعاً، ضامّاً يديه وفخذيه وساقيه،
وعزم ألا يبارح مكانه ولا يفك حبوته ولو نخرت عظامه
وجف جلده أو يتنزل عليه نور الحكمة والمعرفة.
وما كاد سنا الفجر يشرق حتى أشرق معه نور الحقيقة
والمعرفة وأضاء قلبه وأدرك ما كان يرجو، أدرك أن
الماضي والحاضر والمستقبل كلٌّ لا يتجزأ، ويصف سر
الحياة والموت، ورحلة الروح فِي مختلف الأجساد حتى
تصعد إلى"النرفانا"حيث العدم العام وفناء النفس، وهما
السكينة والفناء، إنه وجود يفنى فِي وجود، مثل فناء
ألوان الطيف الشمسي فِي البياض الناصع الذي لا لون له،
ولا يمكن الوصول إلى النرفانا إلا بعد صفاء النفس
والفضاء فِي عالم الحس، أما تعذيب النفس والجسد
والعبادة الظاهرة فليس ذلك بسبيل إلى النرفانا.
لقد هبطت عليه (الاستنارة"فكان بوذا، وكثر"
أتباعه، ومضى إلى مرج الغزال ببنارس يريد زملاءه
الخمسة الذين ما كادوا يرونه حتى عزموا فيما بينهم أن
يقاطعوه، وألا يكلموه، وما كاد يصل إليهم حتى هبوا
لاستقباله، فقد محت هيبته عزيمتهم المصممة، واحتفَوا
به، وأخذوا منه أول درس، فإذا النور يشرق فِي قلوبهم