فالجواب عن سائره أنّه أراد تعالى أن يبيّن لهم بذلك أنّ جميع ما ذكروه من الختم والطبع وتغشية القلوب والأبصار والتفرقة بين المرء وقلبه، وغير ذلك ممّا ذكره ليس بمنع لهم عن فعل الطاعة والقبول ولا عجز عن ذلك، ولا جهل بما بيّنه لهم من الحقّ ودلّهم عليه من الهدى والرشد، ولا مخرج لأدلّة التوحيد عن كونه أدلّة ولا مضادة لكمال عقل الكافر والضالّ ومخرجة صفة له عن صفة من لو استدلّ على الحقّ لعرفه، ولو قصده وآثره لقدر عليه وتأتى منه، ولو حاوله لم يعوزه ويتعذّر عليه فعله، فكأنّه أراد تعالى الإخبار عن أنّ جميع ما فعلته بالكافرين وخبّرت به من الطبع على قلوبهم غير مخرج عن اختيار الكفر وإيثاره وكراهية الإيمان واستثقاله، وأنّهم مختارون للكفر على الإيمان، ومؤثرون لتركه عليه، وربّما تجاوزوا إيثار ذلك إلى حدّ من التمسّك به، يؤدون عليه الحريّة ويقيمون على الذلّ ولا ينزلون عن اعتقاد ما هم عليه وإظهاره برغبة أو برهية، فلمّا كانوا مع الختم والطبع وتغشية القلوب والأبصار قادرين على الكفر الذي دخلوا فيه ومختارين لترك الإيمان وكارهين لفعله وعلى صفة من لو أراد الإيمان لوقع منه ولو كره الكفر لتأتّى له تركه والخروج عنه، ولم يكن مع فعل الطبع والختم عاجزا عن فعل ما أمر به ولا ممنوع منه ولا محال بينه وبينه ولا مخبول منتقص، ولا ممّن يتعذّر عليه الاستدلال على الصواب الذي رغّب فيه وفساد الباطل الذي اختار الدخول فيه، بل آلته تامة ومعارفه كاملة، والأدلة المنصوبة له واضحة، صحّ لأجل ذلك أجمع أن يقال لهم فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى، وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ونحو هذا، لأنّ لا يظنّ ظانّ ويتوهّم متوهّم أنّهم مجبرون على الكفر وغير قادرين عليه، ولا مختارين لترك ما أمروا به ولا راغبين عنه، وأنّهم ممّن لو حاول الإيمان والنظر في الاستدلال لتعذّر منه وامتنع عليه، ومعاذ الله أن يكون ذلك كذلك وأن يكونوا عجزة أو مجبرين على ما ظنّه الملحدة والقدريّة، أو أن يكون تكليفهم لفعل الإيمان وصحيح النّظر والاستدلال، بمثابة تكليف المقعد القيام والأخرس الكلام والضرير تنقيط المصاحف وإدراك المرئيّات، وتكليف النّاس علم الغيوب ومعرفة ما كان ويكون مع قصد السّبيل وعدم الدليل، وكيف يكون ذلك والأدلّة على التوحيد لائحة باهرة