قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) يريد الله
-عز وجل - من ذلك لرسله وأنبيائه - صلوات الله وسلامه على جميعهم - وأوليائه أكثر،
وقد تقدم في بعض ما مضى من الاعتبار أن سبيله في وجود الموجودات هَاهُنَا
على سبيل النشأ من صغير إلى كبير، وإنما يظهره الله في الآخرة، فالجماد جمد على
أكثر صفات الحياة، وانشرح ذلك في النبات، ثُمَّ في الحيوان، ثم في الإنسان، ثم في
المؤمن، ثم في الولي، ثم في النَّبي، ثم في الملك.
وأصل الموجودات الماء، والماء عن الهواء، والهواء عن الروح، والروح عن
الكلمة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82) . فاعلم ذلك
وأيقن أن السلام المؤمن أسلم له كل شيء وآمن به علوًا وسفلاً، ثم الإيمان
والإسلام بعد حاص الماء قدره من المشيئة فيه يحَاص كل نشأ إليه (وَاللَّهُ يَدْعُو
إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) .
قوله - عز وجل -: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المعنى الأولى
بهداهم أهل الكتاب هم الذين آمنوا بالكتاب والنبوة، وفي كتابهم ونبوتهم أن هذا
الرسول حق وجاءهم بالبينات، ولما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على
الكافرين.
كيف يهدي الله من قد لعنه وأبعده عن هداية وغضب عليه وأعرض عنه؟!
نسأل الله العفو والعافية والمغفرة.
وكلمة (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ) المعني به: استبعاد في مشيئة الله ومجرى سنته من
آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر، ثم ازداد كفرًا لم يكن اللَّه ليغفر له ولا ليهديه سبيلاً.
وفي باقي حال الخطاب يوجه إلى المنافقين الذين آمنوا ثم كفروا، وقد أعقب
بذكرهم في مثل هذا الخطاب في موضع آخر من كتابه سيأتي ذكره إن شاء الله؛ لذلك
قال في هؤلاء وهؤلاء: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ