وابن الأثير أخذته القشعريرة حين أراد وصف غارات المغول، حيث يقول:"لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليه"رجلًا"وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا"ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا"."
وتكفينا هذه الفكرة عن المصيبة التي حلت بالحضارة الإنسانية، وخاصة بإغراق كتب مكتبة"دار الحكمة"التي أسسها هارون الرشيد، وآتت أكلها أيام المأمون في نهر دجلة، فبقي أيامًا يجري ومياهه سوداء من لون الحبر الأسود.
وهكذا إن الحضارة قد تأخرت قرونًا بسبب ضياع علوم هذه المكتبة الإسلامية الفريدة من نوعها.
أمام هذا الانكسار العسكري أمام المغول الذين اكتسحوا العالم من الصين حتى فلسطين، كان لابدّ من إثبات أن الإسلام ليس كغيره من المبادئ التي ظهرت في هذا العالم، فأمام عظمته الذاتية، وبتحرك غريب، لا ندري كيف كان الله -عَزَّ وَجَلَّ- يكتب له النصر!
لقد كان لابدّ للإسلام أن ينهض من تحت أنقاض عظمته الأولى، وأطلال مجده التالد، في كل مرّة وبطريقة جديدة. فاستطاع بدعاته أن يغزو قلوب أولئك الفاتحين المتبربرين،
وقام صراع غريب وتنافس كبير بين الأديان لاجتذاب هؤلاء الوثنيين البرابرة (على حد قول أرنولد) ،"تلك المعركة الحامية التي قامت بين البوذية والمسيحية والإسلام، كل ديانة تنافس الأخرى لتكسب قلوب أولئك الفاتحين القساة".
فبالدعاة، وبالدعاة فقط، تراجع القوم، ورجعوا إل بلادهم يحملون الإسلام إلى أبناء جلدتهم، جاؤوا ببربرية وقسوة وحصاد للشعوب بلا رحمة، وآبوا بإنسانية ورحمة ومحبة للعالم أجمع، حوَّلهم الإسلام بدون سيف أو جيش، إلَّا سيف الكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة، التي حمل الدعاة لواءها ... ، فخرقوا القلوب بنور توجهاتهم، في أن فتح المغول بلادنا حتى فتح العلماء العاملون قلوبهم، فملكناهم وملكنا أرضنا التي عادت إلينا.
وهكذا ... انتصر وانتشر الإسلام في وجه السيف .. ولم ينتصر أو ينتشر بحده ..