أي باعوه بثمن رخيص. وتأتي أيضا بمعنى اشترى ، فالشاعر العربي القديم عنترة ابن شداد يقول: فخاض غمارها وشرى وباعا. إذن"شري"لغة ، تستعمل فِي معنيين: إما أن تكون بمعنى"باع"، وإما أن تكون بمعنى"اشترى"، والسياق والقرينة هما اللذان يحددان المعنى المقصود منهم فقول عنترة:"شري وباع"نفهم أن المقصود من"شري"هنا هو"اشترى"، لأنها مقابل"باع"، وقوله تعالى:
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ
(من الآية 20 سورة يوسف)
يوضحه سياق الآية بأنهم باعوه. وهذا من عظمة اللغة العربية ، إنها لغة تريد أناساً يستقبلون اللفظ بعقل ، ويجعلون السياق يتحكم فِي فهمهم للمعاني."ومن الناس من يشري نفسه"ونفهم"يشري"هنا بمعنى يبيع نفسه ، والذي يبيع نفسه هو الذي يفقدها بمقابل. والإنسان عندما يفقد نفسه فهو يضحي بها ، وعندما تكون التضحية ابتغاء مرضاة الله فهي الشهادة فِي سبيله عز وجل ، كأنه باع نفسه وأخذ مقابلها مرضاة الله. ومثل ذلك قوله تعالى:
إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
(من الآية 111 سورة التوبة)
إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم. إذن فقوله:"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله"يعني باع نفسه وأخذ الجنة مقابلا لها ، هذا إذا كان معنى"يشري"هو باع. وماذا يكون المعنى إذا كانت بمعنى اشترى ؟ هنا نفهم أنه اشترى نفسه بمعنى أنه ضحى بكل شيء فِي سبيل أن تسلم نفسه الإيمانية. ومن العجب أن هذه الآية قيل فِي سبب نزولها ما يؤكد أنها تحتمل المعنيين ، معنى"باع"ومعنى"اشترى"فهاهو ذا أبو يحيى الذي هو صهيب بن سنان الرومي كان فِي مكة ، وقد كبر سنه ، وأسلم وأراد أن يهاجر ، فقال له الكفار: لقد جئت مكة فقيراً وآويناك إلى جوارنا وأنت الآن ذو مال كثير ، وتريد أن تهاجر بمالك.
فقال لهم: إإذا خليت بينكم وبين مالي أأنتم تاركوني ؟
فقالوا: نعم.