وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعَدْوِ الَّذِي هُوَ شَدٌّ وَوُثُوبٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَدَا الْأَسَدُ عَلَى فَرِيسَتِهِ. فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَمَنْ عَدَا عَلَيْكُمْ: أَيْ فَمَنْ شَدَّ عَلَيْكُمْ وَوَثَبَ بِظُلْمٍ، فَاعْدُوا عَلَيْهِ أَيْ فَشُدُّوا عَلَيْهِ وَثِبُوا نَحْوَهُ قِصَاصًا لِمًا فَعَلَ بِكُمْ لَا ظُلْمًا ثُمَّ تَدْخُلُ التَّاءُ فِي «عَدَا» ، فَيُقَالُ افْتَعَلَ مَكَانَ فَعَلَ، كَمَا يُقَالُ: اقْتَرَبَ هَذَا الْأَمْرُ بِمَعْنَى قَرَبَ، وَاجْتَلَبَ كَذَا بِمَعْنَى جَلَبَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي حُرُمَاتِهِ، وَحُدُودِهِ أَنْ تَعْتَدُوا فِيهَا فَتَتَجَاوَزُوا فِيهَا مَا بَيْنَهُ وَحْدَهُ لَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَجَنُّبِ مَحَارِمِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَمَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَسَبِيلُ اللَّهِ: طَرِيقُهُ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَسْلُكَ فِيهِ إِلَى عَدُوِّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِجِهَادِهِمْ، وَحَرْبِهِمْ {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
يَقُولُ: وَلَا تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُكُمْ مِنْهَا أَجْرًا وَيَرْزُقُكُمْ عَاجِلًا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَ «لَيْسَ التَّهْلُكَةُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنِ الْإِمْسَاكُ عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
وعَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ"التَّهْلُكَةَ: أَنْ يُمْسِكَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وَمَالَهُ عَنِ النَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"