القول الثاني: فِي الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين ، أن هذه الآية عامة فِي حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة ، ونقل عن محمد بن كعب القرظي ، أنه جرى بينه وبين غيره كلام فِي هذه الآية ، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية فِي الرجل ثم تكون عامة فِي كل من كان موصوفاً بتلك الصفات ، والتحقيق فِي المسألة أن قوله: {وَمِنَ الناس} إشارة إلى بعضهم ، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع ، وقوله: {وَيُشْهِدُ الله} لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم ، بل نقول: فيها ما يدل على العموم ، وهو من وجوه أحدها: أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله تعالى قوماً ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان موصوفاً بتلك الصفات أن يكون مستوجباً للذم وثانيها: أن الحمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها: أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص ، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم فِي غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى ، إذا عرفت هذا فنقول: اختلفوا فِي أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا ، والصحيح أنها لا تدل على ذلك ، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة ، وشيء منها لا يدل على النفاق فأولها قوله: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا} وهذا لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله: {في الحياة الدنيا} لأن الإنسان إذا قيل: إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعاً من المذمة